آفاق التعدد
مدن تأكل العشب *
بتوالي الأعمال الروائية ( الموت يمر من هنا ) 1995م ، و( مدن تأكل العشب ) 1998م، ينجح العنوانان السابقان في الكشف أولياً عن (رهاب المكان) كأداة لها أثرها الفاعل على سـارد واحد أو عدة ساردين إذ يفترض العنوانان ذلك لدى الكاتب الروائي ( عبده خال). تلك الأداة التي يسيطر أثرها على جوانب سردية تتنوع في مناهلها ولا سيما في العمل الأخير ( مدن تأكل العشب )، إذ تتزايد حدة تلك الأداة الرهاب ( الفوبيا Phobia ) حينما تتالت الأحداث .أو عندما تتقاطع الشخوص في هذا العمل الروائي.
من جهة أخرى تبدو عوالم رواية ( مدن تأكل العشب) عوالم مختلفة، فهي مزيج من أمكنة القرية والمدينة وهما الفضاءان اللذان تحركهما العلاقة بين السارد والمكان وبقية الشخوص. القرية التي تمثل لدى السارد الأمان والاستقرار بما فيها من شظف العيش وشدته؛ إذ يعني ذلك الاسترخاء في صياغة الحدث؛ فالأحداث تبدو هنا راكدة إلى حد ما، وإن تحركت الأحداث فلا بد أن تكون باتجاه المدينة. والمدينة التي تمثل له الخطر المحدق المتوقع حدوثه منذ اللحظة الأولى التي تستهل فيه تفاعلها السردي.
تلك اللحظة التي انطلق فيها الحدث من القرية حيث يوشك السارد أن يلج عوالم المدينة المجهولة، وهي عوالم تتخذ وضع التضاد مع عوالم القرية التي تتمثل كأطلال. فيتجلى أثر اللحظة هنا حين تنبت عوالم كهذه العوالم التي يبدو فيها الفرق بين توقع حصول الخطر أو حدوثه دون توقع.
لا ينفك السرد يربط الخطر المحدق بالمدينة؛ بوصفها فم الأسد المفترس الذي يفترضه العنوان الطويل ـ إلى حد ما ـ في دلالاته الأولى؛ إن خروج الطفل الصغير مع جدته إلى الحج وهو الخروج المشروع لابن القرية كي يمارس مهمته في الانطلاق إلى الأفق القريب أو البعيد من عالم القرية ذات الآفاق الضيقة إلى عالم المدينة المجهول، يرتبط ذلك كله بتلك المرأة المسنة التي ما لبثت أن فارقت الحياة في منتصف الطريق بين القرية والمدينة، إذ يوشك مسار الحدث أن يقع في ذلك الجانب المظلم في عوالم (يحيى )، مع وجود خالته ( خديجة ) أو ناجية التي تغير المدينة اسمها ينبئ عن خطر في العيش بالمدينة.
ومع أن خديجة الخالة المانحة التي تعيش في المدينة لا تنقطع عن دعم أسرتها في القرية الفقيرة الجائعة هي المانحة لهم إذ تمدهم بما يلبسون وما يقتاتون به …. إلا أنها في منظور أم يحي موضع قلق وخوف دائم لا ينتهي إلا بانقطاع أخبارها، وهذا ما تكشفه كتابة الرسائل المتبادلة بين الأختين وانقطاع أخبارها عن طريق المراسلات يعني لدى ( أم يحيى) الموت، ومن ثم يكون انعكاس ذلك على السارد الذي يفرض ظلال هذه الرؤية والنزعة على السرد ومن خلال ذلك يتجلى رهاب المكان كثيمة تلقي بظلالها على السرد.
الرهاب ذلك الانفعال النفسي الذي يحدث نتيجة تصور خطر، وقد قيل ( إن توقع الخوف خوف ) إلا أن تحوله إلى طبيعة مرضية، كما في الانفعالات الرئيسة لشخوص السرد كما لدى يحيى الغريب وأمه، يجعل منه المدخل المناسب لقراءة كهذه إذ يتحول تصنيف الشخوص، انطلاقاً من هذه الرؤية أو الرؤيات المناقضة لها، إلى سمة تميز العمل عن غيره من الأعمال في السرد الحديث.
تحمل الرواية نزعات عدة في التعامل مع دور المكان، إذ تنساق تلك النزعات إلى صراع جدلي يسهم في إنتاج النص أخيراً. فبذلك الصراع ومن خلاله يتبلور منظور السارد لتلك الرؤيات المتنوعة ، وهو منظور ثلاثي يتمثل في:
النزعة الأولى: وهي نزعة تميل إلى التقوقع والانكماش داخل القرية وتتمثل الرغبة في العيش فيها بسلام وأمان ـ كما يفترضه السارد ـ وتندرج تحت هذه النزعة كل الشخوص القروية التي تفضل العيش بأمان. ولعل أم يحيى الغريب هي الشخصية الأنسب ذات الفعل المباشر في العمل لتحقيق غايات تلك النزعة.
النزعة الثانية : نزعة تتطلع إلى الآفاق ويكون ذلك انطلاقاً من الرغبة في العيش الممزوج بالتنقل هنا وهناك، كما في شخصية ذلك الرجل الذي ارتبط بـ( يحي) بالتبني الذي يكثر تجواله ورحلاته من مدينة جدة إلى غيرها من القرى والمدن. هذا الرجل هو طاهر الوصابي وهو الرجل الذي يوشك أن يغادر مدينة جدة بعيداً عن زوجته وابنتيه ، وهو أيضاً شخصية مرت بمراحل زمنية تتشابه مع مراحل من عمر يحيى الابن بالتبني.
النزعة الثالثة: وهي نزعة ترغب في التوفيق بين الاتجاهين السابقين إذ تعيش حياة القرية لكنها تأنس بالخروج منها، أو لنقل هي مزيج من الرؤيتين معاً.
هنا تبدو هذه النزعة أو تلك ممثلة في شخوص الرواية، ومن ثم تنعكس تلك النزعات على العمل، إذ يبدو الصراع قائماً بين تلك النزعات ليستمر الصراع في العمل الروائي ويتجدد دون توقف حتى بعد لحظة مغادرة المتلقي له؛ فموت الجدة هنا في منتصف الطريق يعني موت الاتجاه الثالث إذ يتحدد الصراع بين اتجاهين فحسب.
ويتحول صراع الاتجاهات ليصل في خاتمته إلى تفوق واضح للنزعة الأولى، وهي النزعة التي ترى الخروج من القرية مأساة واستمرار ذلك الخروج قد لا يعني دلالياً سوى ركوب الأهوال وتراكمها على الإنسان القروي.
إن خروج القافلة لأداء الحج، وهو الهدف الموحد مع انطلاق الرحلة، لا يعني اتفاق أفرادها في التوجه إلى مكة، وإنما يعني الخروج تحت مظلة زمانية ومكانية تمنح الخروج من القرية مشروعيته. وهذه المظلة تعتمد على النزعة الأولى التي سبقت الإشارة إليها.
تظل رؤى القرية السائدة تجسيداً للنزعة الأولى وانقطاع بعض شخوصها عن القافلة دفن لتلك النزعة أو لنقل الرغبة كما دفنت الجدة محسنة في منصف الطريق إلى الحج.
كما يمكن عد الفراق الذي أحاط ببعض أفراد القافلة تجسيداً للنزعة الثانية. ويظل الجهل بالحدث وهو موت الجدة محسنة مفزعاً لأهل القرية جميعهم وتظل أم يحيى غير مدركة لما يحدث بوصفها تمثيلاً واضحاً للنزعة الأولى.
الرواية تعبير مباشر عن ذلك، فغياب الأسماء ومن ثم تحولاتها المختلفة يظل موازياً لدفن الأم التي تخرج ( العجوز ) التي ترغب بالخروج من القرية .. المكان هنا يفرض قسوته المباشرة انطلاقاً من ذلك الخروج، ومن ثم الوفاة، وكما تدفن العجوز جسدياً فإننا نجد يحيى وشقيقته حسينة وعمتهما ناجية يدفنون معنويا بغياب الأسماء وتحولاتها.
تتحد طموحات ( يحيى ) في العودة إلى القرية فحسب، ويصبح كل نتاجه في المدينة سعياً واضحاً للعودة إلى القرية، في حين تكون شقيقته بزواجها من ( الشرقي ) لا هم لها سوى العودة إلى القرية وترك زوجها فهي تسعى إلى الهرب بعيداً عنه. وتظل حسينة صورة أخرى لأولئك الصبية المقيدين الذين رآهم يحي في المقهى وكاد أن يفك أسرهم لولا افتضاح أمره.
الحكاية غير المكتملة تعبير سردي مباشر عن محاولة انفتاح سردي، تكون عابرة لآفاق الحكاية بوصفها تعبيراً عن نظرة يؤسس لها السارد ويتجاوز بها إلى رؤية الباحثين عن الأمان، وهي إلى جانب ذلك تعبير واضح عن النزعة الثانية التي تتطلع إلى الآفاق وتتوسل اختراقه. ولا يتحقق ذلك فعليا إلا بانفتاح الحكاية حيث البعد عن الإغلاق والاتجاه إلى التعدد الذي يوشك أن يسمح بعدد من التأويلات كما أن إغلاقها يجعلها التعبير المباشر عن النزعة الأولى التي ربما بدت متقوقعة في فضاء اللغة.
ومما أسهم في انفتاح النص من زاوية التقنيات النصية الموازية اعتماده على أكثر من عنوان في مطلعه فالعنوان ( مدن تأكل العشب ) انبثاق ظاهر عن عدة عناوين متواترة ومنها (أمامي ترحل العصافير ) وهو العنوان الذي توج به العمل منجماً. وغيره من العناوين الأخرى التي تكاد تكشف عن اتجاهات متنوعة في العمل منذ مطلعه إذ آثر الكاتب أن يضيف ما يزيد على عشرين عنواناً ومنها ( يحي شخابيط ) أو ( الخروج للتيه ) وغيرها من العناوين التي تكشف عن نتوءات السرد وبعض ملامحه. ويسمح هذا بإمكانية تأويل غلبة العنوان ( مدن تأكل العشب ) وافتراسه الشكلي ـ إذا افترضنا هذا ـ لكل العناوين المجاورة، وهو افتراس يأخذ منحى موازياً كما أكلت المدن العشب، هذه العناوين الموضوعة كنصوص موازية لها دورها الإيجابي المتمثل في تعلق كل عنوان بمفصل سردي، وارتباطه المباشر أو غير المباشر بجوانب تكشف عن نفسها منذ قراءة تلك العناوين. وقد يتبدى ذلك ظاهرياً في كونه تعبيراً عن رؤية أحادية تفرض ظلالها على النص، وقد مارست التعدد كمحاولة ظاهرية وهامشية لنسجه، إلا أن هناك عوامل نصية تلغي اتجاهاً نقدياً كهذا ومن أبرز تلك العوامل:
1) نسق الحكاية غير المكتملة: وهو النسق الذي أشرنا إليه آنفاً، ويتمثل ذلك في انبثاق مسارين أساسيين للحكي، إذ تنطلق حكاية (يحي ) فيسعى المتلقي إلى إيجاد نهاية حكاية سريعة لحكايته. خاتمة الحكاية لا تمثل نهاية بل تكون بداية فعلية لصراع لا ينتهي، فزواج أخت ( يحي ) من الشرقي يظل يشكل خطراً على القرية ممثلة في ابن القرية الذي أحبته (حسينة). والتقاء الشقيقين في سيارة واحدة وهما متجهان إلى الرياض دون أن يعرفا بعضهما يعني انفتاحاً جديداً للحكي. إذاً الحكاية غير المكتملة تبدو كتعبير سردي عن عمل يوشك أن يتبنى فكرة عبور الأفق أو لنقل فكرة الانفتاح الثقافي.
2) تحولات الأسماء: خيط سردي يتجلى كعامل يضاف إلى سابقه، فثبات الأسماء مواز لثبات النزعة إذ تتعالق تلك الأسماء المتحولة بالنزعة الأولى الملازمة للتقوقع والثبات التي تندرج بصورة جلية معها، فأسماء الشخوص القروية العابرة إلى آفاق المدينة، أو الشخوص التي تتجاوز فضاءات المدينة إلى القرى تتخذ صفة التحولات ولكن من منظور أصحاب النزعة الأولى ذات الرؤية الثابتة، ومن تلك التحولات ما شهده اسم يحي الغريب من تحولات من يحي الغريب إلى يحي طاهر الوصابي، وعبد الله المحماس الذي يلغى اسمه ليكون فقط (الشرقي) لدى أهل القرية. وغالباً ما يكون تغيير الأسماء مرتبطاً بفقد العلاقة العاطفية أو نهوضها بصورة قوية، إذ تشكل علاقات الزواج والارتباط مع من أحب أبرز أسباب تثبيت الاسم إلا أن غياب تلك العلاقة يؤدي إلى غياب الاسم " عبرت الأزقة وحديث طاهر ينخر مخيلتي، وقررت أن أفاتحه بعزمي على تغيير اسمي " ص 343.
وحين يرغب يحي الغريب في إعادة تشكيل اسمه المفقود وبنائه يجد المدينة كمكان تقف في اتجاه مضاد له إذ يفضل الهروب من المكان لينطلق إلى فضاء أرحب، وفي ذلك رغبة جلية في الهروب من قسوة المكان وجبروته " فقط أريد استرجاع شجني وحيداً ولكي تتحقق هذه الأمنية وضعت شنطتي الصغيرة على الكرسي الشاغر وتقاذفتني الأسئلة:
هل أحتاج لوقت طويل قبل أن ألتقي بخالتي، هل أجد طاهر الآخر في طريقي وحياة أخرى تسقط جبل الرماد المتماسك " ص346.
3) النص الموازي: الذي يتمثل في مقدمة قصيرة بتوقيع الناشر "عزيزي القارئ…ستجد في هذه الرواية أصواتاً متعددة ومتداخلة، ورأينا وجوب تنبهك إلى أمرين مهمين، فهذا العمل يمثل روايتين متداخلتين، إحداهما لمؤلف مجهول وجدت فصول روايته بطريقة ما، فقمنا بدمجها مع عمل آخر لتكامل العملين بصورة متطابقة، أما الأمر الآخر فنحن نود أن نسجل اعتذارنا للمؤلف ولك على هذه البدعة المستحدثة "ص 6. وهنا محاولة للتأثير على المتلقي بإيجاد نص مواز يسهم في استصدار حكم نقدي مباشر قبل الولوج إلى عوالم العمل، ولكن مثل هذا النص الموازي الذي يتبناه متكلم بصيغة الجمع هدفه الترويج والإقناع. (الناشر)لا يفلح مباشرة في استصدار ذلك الحكم إذ يجد القارئ نفسه مدفوعاً إلى متابعة النص حتى الانتهاء منه، ومن ثم تبني ذلك الحكم أو غيره. ويلاحظ أن المسار الثاني الذي تمثله الرواية المتداخلة بوصفها صوتاً آخر للحكي لا تستمر تقاطعاتها بل تنساب في جداول وقنوات المسار الأساسي؛ ومع بدء تقاطعات الراوي المباشرة مع النص الموازي عند استهلاله لذلك المسار باعتذار مباشر للقارئ إذ يشي ذلك بنوع من التحديث في التقنيات السردية "وأعتذر من القارئ العزيز لهذا الخلط الذي أوقعنا به الناشر حين أرفق أجزاء من عمل آخر قال إنه عثر على مخطوطته عند أحد الوراقين بدون اسم لمؤلفه. وعندما قرأ تلك المخطوطة وجدها مناسبة لأن تكون رديفة لعملي …" ص57.
4)الاستهلال: " أنا لا أعرف جمال وأنتم لا تعرفون جدتي …".
هذا الاستهلال ينبثيق أيضاً عن رؤية سردية أحادية (مونولوجية) فرضت ظلالها نصياً لا تلبث أن تتلاشى بمرور حلقات السرد.
العوامل السابقة تسهم في انفتاح النص على تعدد للأصوات وتعطي النص أفضلية الانخراط في دائرة النصوص الروائية التي التزمت هذا الاتجاه الحديث في الكتابة الروائية.
هوامش
* الرواية للقاص عبده خال صادرة عن دار الساقي 1998م،وله من الأعمال السردية: حوار على بوابة الأرض ـ قصص ـ 1987م، لا أحد ـ قصص ـ 1990م، ليس هناك ما يبهج ـ قصص ـ 1991م، الموت يمر من هنا ـ رواية ـ 1995م، مدن تأكل العشب ـ رواية ـ 1998م.