Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

الرسم بأشلاء اللغة

ALadwani

الرسم بأشلاء اللغة

ريح الكادي ـ صالحة *

  حين تتأمل نصوص " عبد العزيز مشري " الروائية ستجد نفسك أمام إغراء بالمتابعة إلى النهاية، ناهيك عن كونها تضيف عبقاً من نوع خاص على السرد فتتجلى لك تلك النصوص متشحة بتوظيف الشعبي والتاريخي، ليتبدى خطاب المشري الروائي ذلك الخطاب الذي يؤسس لمكان وزمان محددين باختيار القالب الدائم  للسرد، الذي يرتهن إلى اليومي، ويستلّ فتات المعيش ليوظفها في دوائر مغلقة. إلى حد انتفاء محاولة إخراج الإحالات النصية في عمومها إلى الواقع. إلى جانب ذلك فقد سعى المشري إلى تحديث تلك الموروثات وتسجيلها بواسطة تشكيل لغوي يبتعد عن الإيغال في الرمزي، وذلك كأداة للتعبير المباشر القريب من المتلقي.

  في إحدى كتاباته يبدي المشري إعجابه الشديد بالقرية فيقول:  "أواجه غالباً بهذا السؤال : إلى أي مدى أثرت القرية في كتاباتك؟ … القرية لا تزال بنفسها الساري في الذاكرة وقسمات وجوه أهلها فرداً فرداً " (1). ثم يضيف إلى ذلك قوله " إن الكتابة عن هذا العالم الخاص، وبخصوصية فرضها إيقاعه المعيش؛ ليست سهلة فهي ليست معتمدة على التصور المطلق … إنها تحتاج إلى الصدق الكامل والمدعم بالتجربة، أعني تجربة المعيشة اليومية ،المحتوية على الفتافيت ،تلك التجربة التي تتلقاها ببديهتها وحقيقتها "(2).

  تقتات رواية ( ريح الكادي ) للكاتب  عبد العزيز مشري  على جزئيات السرد الدقيقة فتصنع من تلك التفاصيل الصغيرة أحداثاً تسهم في تحريك السرد بتباطؤ لا يلبث أن يتسارع إيقاعه في نهاية العمل الروائي. و يستعيد لنا ذلك الإيقاع المتباطئ علاقة الفن الروائي بالأشكال التعبيرية الأخرى، فالرسم الذي يتوازى منه في رواية ( ريح الكادي ) لوحة خارجية بريشة المشري على غلاف روايته، الذي يسبق إلى المتلقي مؤجلا لقاء العنوان،  يشد انتباهه حيث يتجلى فيه ذلك الكائن العملاق الذي يمتد من قاع اللوحة إلى أن يعانق العنوان، وهو أشبه بجذع شجرة، أو ريح عاصفة توشك أن تلقي بظلالها أو بخطرها على تلك البيوت القليلة الوادعة المتناثرة في أحضان الريف.

  يتعالق العمل جلّه بتلك اللوحة / المكان ويتبنين حولها، حيث تتناسل فصول الرواية جميعها وعددها ثمانية عشر فصلاً من تلك اللوحة الأم، فيبدو كل فصل ممثلاً في افتتاحيته لوحة فرعية أخرى مولودة عن تلك اللوحة الأم تحمل أنماطاً من التوظيف السردي. ولذا فإن هذا التوظيف لليومي والمعيش في حياة القرية قد شكل محوراً يستند إلى غاية سردية تنهض بفكرة مركزية التحم حولها السرد، وهي فكرة لنا أن نطلق عليها فكرة التوالد العذري؛ اتصال ذلك التوالد أو انقطاعه في المجتمع الزراعي.

  وبما أن الأم هي ( القرية / الأرض)  بوصفها حيزاً للعمل الروائي هنا   و ( اللوحة كونها نصاً موازياً للعمل ) فيبدوان مشروعي إنتاج؛ إذ تتسارع حركة التوالد النصي من خلالهما، ولكن تلك الحركة لا تلبث أن تتباطأ معلنة الدخول في مأزق التلاشي الذي يستدعيه العمل كظاهرة مطروحة.

  ولذا كانت حركة التوالد النصي تلك تأخذ بعداً عكسياً مع حركة تنامي الأحداث. في البداية وحين تتباطأ حركة التنامي للحدث، نجد حركة التوالد النصي تتزايد في بدايته من خلال توالي مطالع الفصول والقصر النسبي لتلك المطالع. لكن حركة التنامي للحدث تزداد مع نهاية السرد في الوقت الذي تقل فيه حركة إنتاج اللوحات النصية.

  تبدو مفردة ( الكادي ) إطاراً عاماً للعمل تنعكس دلالاتها على أجواء الرواية، فهي الدال الأنسب الذي يتصل من جانب بفكرة التوالد حين يطلق على ذلك النبت الطيب الرائحة الذي تزين به العرائس ـ غالباًـ حواف آذانهن، طلباً لرائحته الندية الزكية، في حين تشير حروفها مجتمعة إلى الصلابة والصعوبة كما يشير " ابن فارس " في مقاييسه ، و الكادية هي " الأرض الغليظة والصفاة العظيمة الشديدة والشيء الصلب بين الحجارة والطين "(3) وهو أيضاً ( البطيء الخير من الماء ) كما في لسان العرب، وفي تاج العروس البطيء الجري من الماء.

  إن مدلول الكادي العائم بين الصلابة والشذى يحيل إلى حياة القرية الماضية التي توصف بالقاسية والصعبة من جانب، إلى جانب كونها ممتعة وشيقة أشبه بشذى الكادي، ولذا كان لرائحة الكادي ذلك الدور المتسق نصياً مع مضمون العمل، وكما تمر القرية بمراحل من التغييرات الجذرية الأمر الذي لن يبقي سوى مالا يلمس، فنبت الكادي يمر بمرحلة تحول جذرية من الخضرة إلى الجفاف وتبقى رائحته كأثر دال على وجوده.

  أما البطء في المنفعة فذلك ما يتميز به إيقاع الحياة القروية التي تبدو بوادر خيرها قليلة وشحيحة، ولعل لذلك البطء  أثره على حركة الأحداث التي تتنامى في العمل بصورة متباطئة لا تلبث أن تتخذ إيقاعاً أسرع ، ويمهد ذلك الإيقاع لحياة من نوع آخر. ومع ذلك البطء في الخير فإن أهاليها يعيشون سعادة دائمة، وتبدو الرواية صرخة حادة تشق طريقها الصعب بعد أن التهمت عاصفة التحديث كل ما هو جمالي وشذي في القرية، وأبقت على أشلاء متناثرة.

  وقد يرد الكدي بمعنى: القطع والمنع، يقال كدي بالعظم إذا غصّ به ويشي ذلك نصياً بانقطاع لقانون التوالد والتناسل الذي بني عليه المكان الروائي، ومن ثم أقيمت عليه وحدات النص المركزية والهامشية.   

إذا كان هناك وحدة نصية  يتمركز حولها العمل، وتسهم في تقديم ملخص شامل لهذا العمل الروائي فإن موقع هذا الوحدة في ( ريح الكادي ) هو افتتاحيات الفصول؛ ولاسيما تلك الافتتاحيات التي تركز على الفاعل و الهامشي والمعيش والمهمل في إطار القرية، لتظهر ( ريح الكادي ) عملاً روائياً ليس بشخوصه أو بتنامي أحداثه بل بتفعيله تلك الدقائق الصغيرة واستثمارها، ولذا كانت قيمة اللوحات / الافتتاحيات في الرواية كونها تركز على تلك الجوانب، وكونها تتنوع من سارد إلى آخر  بين سارد خارجي غائب، وآخر داخلي منتم إلى شخوص السرد، وهما يتراوحان في رسم تلك المطالع التي تعبر تعبيراً مباشراً عن أزمنة القرية وتحولاتها. وكأن في هذا التنوع إشارة مهمة إلى اتفاق الرؤيات مع تعدد الرائين.

  تنبثق الافتتاحية الأولى في العمل مبشرة بذلك المجتمع الذي يتوازى فيه أفراده عبر اتفاقهم جميعاً في الانخراط داخل ضمير الجماعة مع تعدد الأفعال واتحاد صيغها وزمنها إلا أنهم ينتمون إلى مرجع واحد (يأكلون، يعملون، يسرحون، يروحون) تلك المرجعية التي يتعايش عليها الجميع وهي ( الأرض ) الموصوفة بالعطاء، الأ‎رض بوصفها الرمز الأنسب لفكرة التوالد العذري، ومع أن الشاعر الهندي " طاغور " يقول:

يا أمّنا الأرض

أيتها الصابرة الغامضة

إن ثروتك لمحدودة

ولكنك تجهدين النفس كي تقوتي أبناءك

والبهجة التي تمنحينها ليست أبداً كاملة 

فهل نتخلى عنك بسبب ذلك ؟            

  فإن الأرض في الريف توحي بما يخالف ذلك؛ فالعمل الروائي هنا يصفها بأنها لا تفرق بين أحد من المقيمين عليها، إنها قد وازت بين المرأة والرجل " الأرض العطاء، تساوي بين ذات المرأة وذات الرجل والكل له على قدر التعب نصيب"ص5.

  وكما في أوقات العمل يتساوى الرجل والمرأة؛ فإنهما يتساويان في أوقات الترفيه، فها هو أحد شخوص الرواية عطية  يسترجع ماضي القرية الذي تحول وتغير وبجواره رجل مسن من أهل  القرية؛ فتراهما يتذاكران " كيف كانت الرقصة بين الرجال والنساء واحدة، يقف الرجل، وتقف إلى جانبه المرأة، وعلى الدف والطبل تذهب وتجيء الأقدام، وتسير على الإيقاع الخطى"ص70.

  لا تلبث هذه الرؤية أن تسقط داخل مشروع إجهاض كلي لمنجزات مجتمع القرية بالتحول السريع إلى سلطة المجتمع الأبوي الذي يبدأ في إضفاء التراتب الهرمي على طرق التعامل مع أنماط متعددة في العيش بالقرية، وتبدو أمارات ذلك التحول في إضفاء التمايز بين الرجل والمرأة خلافاً لما أعلنته اللوحة الأولى في العمل، لقد بدأت هذه القرية بتفكيك عاداتها ومثلها بنفسها دون تدخل خارجي.

 في حوار يدور بين الجدة وحفيدتها تقول الجدة " ... نجمع الحطب من البادية في آخر الديار، نختار كل حطبة يابسة، نأكل خبزتنا من غير قهوة، ونعود، عند أذان الظهر.

فتسألها الحفيدة: هل كان معكم رجال ؟

فتجيبها الجدة: رجال ؟ ولم الرجال! كنا نسرح أربع أو ست نساء بفؤوسنا "ص94.

  ومن المواقف هناك موقف آخر عندما يطلب " الشايب عطية " من الجار الذهاب إلى المرأة لإجراء ما يلزم وأخذ الحمارة  "وقال الجار إنه سيفعل، وكانت نيته للتو بالتوجه من حيث طلب الشايب، ودعا إلى خلفه حفيده الأكبر… يقتاد الحمارة، أو يسوقها أمامه إلى مباتها، فليس من اللائق بشيخ كبير المجيء بالحمارة، ولو كانت ثوراً أو بقرة أو خلافهما من الحلال، لأمكن للرجل اقتيادها أو سوقها في مصالحات كهذه، لكن الحمارة " أعز الله الرجال " على كل لسان يقتادها الصبيان أو النساء " ص 35.

  وتبدو هذه الصورة أيضاً مناقضة للوحة / الافتتاحية الأولى، إنها إرهاص داخلي في العمل بتلك التحولات الجديدة في المجتمع القروي.

  يمكن تقسيم تلك الافتتاحيات للفصول الثمانية عشر التي آثرت عدها لوحات تنبثق من اللوحة الأولى على الغلاف إلى نوعين: افتتاحيات تستثمر المركز / المكان وهي افتتاحيات تؤسس للجانب السردي الذي يتصل بشكل مباشر بشخوص السرد. وافتتاحيات أخرى تنطلق إلى الهامشي وتؤسس له بممارسات خفيفة لها دلالاتها المركزية التي تنتج العمل عبر توظيف جوانب أسطورية في دوائر المهمش.

  ومن تلك الافتتاحيات ما يتصل بصورة الثور في المجتمع الزراعي، وموسم الحصاد و( الطينة ) وهي ممارسة جماعية تهدف إلى التأسيس لسقف منزل جديد  إلى جانب لوحات هامشية أخرى تتصل بكائنات مهمشة كالحمارة، آلامها، وموتها، ومن تلك الافتتاحيات تتبدى لنا  أهم افتتاحية نصية وهي الافتتاحية رقم (2) " يا أظلاف الخير،  ياللسنام المائل، والأذن المخروزة ... يباركك مبارك الحلال ويعطينا بك مع حد المحراث كل طيب الثمر. وإن كان لك كبعض القذى اليسير في العين: قرنان كجنبيتين؛ فليس للنفس طاعة، كيف أقص واجهة وجهك يا مالي".

  مثل تلك الافتتاحية ترهص بالكثير من تحولات القص فقرنا الثور التي تشبه الجنبيتين لا تلبث أن تصبحا آلتين للفتك، بقتله للفتاة، الثور الذي يضرب بقرنيه ليس في أرض القرية فحسب بل في مخيالها الجمعي، من خلال تلك اللمحات الأسطورية التي تنهض عليها صورته الوحشية في التراث العربي، ولاسيما كون تلك الصورة تتصل بالزراعة والأرض العطاء وتتوالد عنها، إلى جانب اتصال صورته بالكواكب المعبودة عند العرب قديماً، وما يدور حوله من طقوس وعادات قديمة.

  وتتجلى صورة رمزية أخرى في الرواية تتصل بقتل الثور والبقرة والمرأة في صورتها المصغرة (الطفلة)، إذ تبدأ تلك الرموز في تفكيك وحداتها ذاتياً من الداخل، ويبدو ذلك في متوالية  قتل الثور للفتاة الصغيرة " أنفقت خاطراً طويلاً "مليحة " وهي تحاول ستر منظر قتلة ابنتها، ورأت ما فعل بها الثور في " مجرة " البئر، إذ عاد خلفاً بقرنيه القافزين، وطحن جمجمتها وكسر أضلعها " ص 82، وفي ذلك إشارة إلى إنهاء لما يمكن وصفه بالإبتال أو ( التوالد العذري )، كما أن قتل الثور من قبل الأب كما ورد في العمل " وهدى الله فلاناً إلى حمل بندقيته، فعبأها ورمى، وعبأها ورمى، ورمى ثلاثاً أصابت الأخيرة الرأس بين القرنين فخار وهوى " ص82. وكذلك تقتل البقرة في مرحلة تالية كما في الافتتاحية رقم ( 15) " ومرت السكين عل رقبة بقرة الجدة على رضى منها " ص99، أو في حوار الأب مع ابنه "أبغيك تستدعي زوج أختك صالحة، ومن ترغب من الجماعة .. تذبحون البقرة  وتوزعون لحمها على أهل القرية " ص 100 ، والبقرة هي رمز الأم الولود عند بعض الشعوب، كما أنها ترمز إلى الخصوبة والتجدد والأمومة، يصبح ذلك القتل لها إشارة إلى تحولات الخصوبة إلى القحط وقتل لما  يمكن وصفه بالمجتمعات الأمومية وإقامة نظام حياة جديدة تتبنى الأبوية، وتشير الرواية إلى اختفاء أصوات الديوك" اختفى أذان الديوك، ولم يرغب الناس في تربية الدجاج واقتناء الماشية " ص 108، " أما الدجاج فقد لعبت السكين مع الأيام في رقابه، فغاب البيض، وغاب النقيق والأذان "ص101. وكما نلحظ فإن ذهاب الديك وقتله عند بعض الأمم يشير إلى ذهاب العزة وتحول الأوضاع إلى الأسوأ وهو الأمر الذي تشير إليه أحداث السرد.

  أما الكلب فينفصل عن الإنسان في القرية انطلاقاً من الرؤية الأسطورية القديمة التي ترى الكلب متصلاً بالجن فحين يعوي الكلب يردد حامد " بروحك . بروحك إن شاء الله "، وهذا المؤذن يسارع إلى التعبير عن قلقه من وجود الكلبة في الفناء الخارجي " ورأى الكلبة تموج في الساحة وتتسمع أصوات الدجاج، فصاح: " انقلعي يا خبيثة"ص91. 

  وتتوازى النار مع السكين في القضاء على أسس الحياة الزراعية وإنهاء حالة التوالد، في اللوحة التاسعة " شبت حارقة الهواء في المحصول فأكلت حواف القلب، وساح وجع النفس في كل فحمة سنبلة، ونفرت العروق بدماء تنضح منها الحسرة. ولكن ثمار أرضنا في قادم الأيام آتية لا ريب".

  ينجح المشري في ( ريح الكادي ) في عقد علاقات متكاقئة وحوار متميز بين الطبيعة الصامتة التي يمثلها المكان الذي تدور أحداث الرواية فيه، والطبيعة المتحركة التي تمثلها تلك الحيوانات، وهي التي وظفت في الرواية كالثور والحمارة والكلب والديك، ويبدو دور الإنسان مراوحاً بين التعامل والتعايش معها، أو الانقضاض و محاولة الفتك والتسلط عليها.

  لقد استبعدت من الحكي تماماً مشاهد الولادة الحقيقية والإنتاج في حين استعيض عن ذلك بجملة من المجازات المستثمرة بإتقان. وهي المجازات التي ربما أباحت تسمية حالة التوالد تلك بالتوالد العذري الذي لا يلبث أن ينضب سريعاً مع متواليات السرد.

  لقد انعكس ذلك النضوب والمنع على الإنسان القروي وما يتصل به من موروث، حين أعلن تخليه عن الأب المجازي له " وباع الناس أدوات الزراعة القديمة، وأدوات الرقص والملابس والحلي لأناس لا يعرفون لغتهم، ذوي بشرة حمراء وشعر أصفر، وراح أهل القرية يهزؤون منهم في مجالسهم، إذ كيف لهؤلاء المجانين الذين يدفعون القيمة الغالية في أشياء لا تنفع !" ص 109.

  إن حالة البيع هذه قد جعلت إنسان القرية قاطعاً صلته بماضيه وبمستقبله حيث أصبح رهينة دائرة الاغتراب عن أرضه وموروثه، ولا أدل على ذلك من عدم معرفتهم بصاحب الأرض الحقيقي ابن القرية، ويبدو هذا التحول المريع في أخلاقيات ابن القرية عندما يغتصب الحق وتظهر الخطيئة. فاللوحة الثامنة عشرة لا تشير إلى تحول في مستويات الطبيعة الصامتة أو الطبيعة المتحركة فحسب، لكن تلك التحولات المفعمة بالجفاف والمنع والعقم لا تلبث أن تطال الإنسان؛ فهاهي العجوز ( رفعة ) قد صفقت بالكفين قهراً حينما نمي إليها أن فلاناً قد تخاصم مع ابن فلان حول سفح، وقد شهد بعضهم زوراً مع فلان "واستنكرت على الجبال الصم في معرفتها ، أن تنبت الحنطة…

وقال الشايب عطية: بحرقة العارف لا يرضى عن الحق إذا اغتصب من راعيه، فهاج وماج، واعتصرت الخطيئة جهد بدنه .." ص 115.

  من جانب آخر لنا أن نتأمل النص الروائي ( صالحة ) بوصفه لبنة أخرى يضيفها المشري في إطار مشروعه الروائي المنطلق من تحديث الموروثات الشعبية وتسجيلها من خلال الرسم باللغة كأداة للتعبير المباشر البعيد عن الإيغال في الرمزية المفرطة.

  ويمثل عنوان النص الروائي ( صالحة ) نصاً موازياً يتخذ صفة مفتاح النص المباشر، فـ ( صالحة ) هي الشخصية المحورية، وهي تلك المرأة التي تحمل الدلالات الأنسب لهذا الاسم، لكن العنوان يوحي بسرد سيكون بضمير الغائب عن صالحة الغائبة، أو قل المغيبة والحاضرة معاً في السرد، ليتجلى الاختلاف هنا ـ وفي هذا الجانب الاسمي ـ بين وجهتي نظر في السرد منذ بدايته: إحداهما وجهة نظر السارد، أما الثانية فهي وجهة نظر أهل القرية،  ويأمل منظور السارد وخطابه الفردي في حضور المرأة (صالحة) وإعطائها حق الحياة والعيش، ولذا كان استحضارها في مفردة واحدة تمثل الاسم للمرأة التي وهبت وصارعت في سبيل حياة الكفاف، ولذا كان حضور الاسم الشكلي في العنوان غاية في النصاعة والنقاء حيث خط الاسم باللون الأبيض على لون داكن، غير أن هذا  الحضور لا يعني ( امرأة واحدة ) فحسب، بل يعني كل امرأة تصارع من أجل البقاء ويمكن أن تدخل في دائرة هذا التصنيف، يحتمل العنوان تلك الإيحاءات المتعددة والمختلفة التي كثيراً ما تصب في الجانب الموغل في أسى وحزن دائمين ينعكس عن تلك الشخصية.

  كان ميل السارد إلى جانب شخصيته  أمراً معتاداً في النص، في المواقف الأكثر حدة ما يلبث أن يدعمها ويخرجها منتصرة على أعدائها  وتمر حياتها دون انتكاسة، مع كثرة الأعداء والكوارث، بل طالما أخرج السارد (صالحة ) من دائرة النزاع والشغب، وأوقع تلك النزاعات بين أهالي القرية لتظل صالحة ومن خلفها السارد تنظر إلى تلك الأحداث وتكتفي بالتعليق أو الإشارة إليها وهي إشارات بلا شك لا تمثل سوى رد فعل سلبي لا يتصل في النهاية بالسرد قدر إسهامه في ربط (صالحة ) بالأحداث الخارجية. ولعل في تعليقها السطحي على مقتل "عامر " على يد " مرزوق " ما يدل على ذلك،  وأما "صالحة بنت أحمد " فلم تر في قتلة " عامر " أمراً يفرح صدرها لكنها سارعت إلى ترديد  " الله يذبح من يذبح رفيقه" حين علمت بذلك دون تسمية القاتل.

  ولعل استخدام السارد لـضمير الغائب، وتماهيه مع أحد شخوص العمل، أوجد ذلك الانفصام، أو لنقل الاختلاف الحاد بين وجهتي النظر على الرغم من كونهما متفاوتتين بين وجهة نظر رئيسة يمثلها خطاب فردي (خطاب السارد ) الذي يوازي بين شخوص القص "قال أناس لا يخافون من يلومهم، إن " صالحة " لا يمكن أن تصفق بالافتراء تاجراً مرابياً يتصيد محاصيل الناس وان زماناً جرى على حياتها وكان للفقيه و"عامر " فيه مواضع الذم والاتفاق … لابد أن يكون لهما مع المصلحة " الرابحية " مكان الدسيسة والاقتسام "ص71،  وهي وجهة نظر السارد التي دعم بها موقف الشخصية المحورية " ما كانت صالحة تظن أنها عادت لتعيد سيرة كانت قد أنهـتها معها على الإباء دون محاورة"ص30.

  أما وجهة النظر الأخرى فيمكن عدها وجهة نظر فرعية تمثلها شخوص السرد مختلفي المشارب والأهواء ، وجهة نظر تتقمص (خطاب الجماعة) ومن ذلك ما تطرحه  العجوز " يا بنت الحلال، الزواج ما هو بحرام، أنتي في أول العمر " كما تضيف قولها " إنها تعبت مع " صالحة بنت أحمد " رأسها قاسية، ولكن الزمان سيعض عليها وتعرف أين خلاصها وأمّلته بأنها لم تذبح الأمل بعد .." ص31. 

  وتتصف وجهة النظر تلك بالكلية المنبثقة من تداولات أهل القرية لاسم (صالحة) ليصبح (صالحة بنت أحمد ) فلا يرد ذكرها في السرد إلا مسندة إلى اسم أبيها، ويأتي لهذا الإسناد ما يبرره على مستوى السرد، فخطاب الجماعة المغلق يحرص أن تكون المرأة الأرملة وهي المرأة المحتاجة متزوجة من ثري، الأمر الذي برر انطلاق السرد نحو تناول أوضاع المرأة التي توفي عنها زوجها، مخلفاً وراءه الحسرة واليتم لسعيدة وأحمد الصغيرين.

  ومن هنا تتالت منافسات الرجال للفوز بزواج ( صالحة )، وعلى ذلك حدث عدد لا بأس به من الأحداث المقلقة لـ (صالحة ).ولعل أبرزها إلحاح الجميع على الزواج وموت بقرتها وبيع محصولها وعدم سداد ثمنه.

  يأتي ذلك الخطاب الجماعي في النص مستثمراً لذلك الاسم (صالحة بنت أحمد)، مناهضاً لتلك الرؤية التي أسس عليها عنوان النص بوصفه علماً مفرداً لأنثى فحسب. فهاهو الاسم يتوضع بين الأسماء المتعددة بصورة مرتكزة على اختلافه "وتكرر الأخذ والعطاء في القول بين "صالحة بنت أحمد " وبين جارتها، إذ زاد بالإصرار قولها، حول  الفقيه  و عامر "ص39. وتتزايد حدة ذلك التكرار لاسم صالحة بنت أحمد مع نهاية القص، و كأنه إعلان بتفوق لهذا الخطاب واحتوائه لخطاب السارد. 

  إلى جانب ذلك يتماهى الإنسان مع الحيوان في خطاب الجماعة في عالم القرية فتغدو القرية ملاذاً لكليهما، إذ تتوازى فرحة ( سعيدة ) الفتاة الصغيرة مع قفزات الجرادة، حين ترقص فرحاً برؤيتها، وتقترن بها مع مطلع النص "...كانت سعيدة فرحة فرحاً ربما تجاوز فرحتها بثوب العيد فقد رأت الجرادات بأعداد لم ترها من قبل" ص 9. أما الرضيع فيغدو مشاكلاً في ألفته ولعبه لقطة (نمرية الكساء ) وتبدو هذه الصفة مكررة في النص بصور مختلفة كـ  (  ذات جلد نمري).

أما الأم ( صالحة ) كما في العنوان فتتماهى مع بقرتها، إذ تتماثلان بوصفهما رمزين للخصب والتجدد الدائم والأمومة، لكن تلك الخصوبة لا تلبث أن تسقط بمجرد أن تموت البقرة فعلياً في النص " دنا الرجل من رقبة البقرة، وقال" بسم الله ، والله أكبر " فاندفع الدم الساقية من رقبتها، واندفع الماء مالحاً ومتسابقاً من عيني سعيدة " ص36. وكذلك تموت الأم (صالحة) رمزياً بمحاولات مستميتة من بعض أهالي القرية، تقتل البقرة بفعل الحشرة ( بسكون الشين)، وهي نبتة الذرة الخضراء الضعيفة، التي تبدو جميلة، وإذا أكلت منها الحيوانات فإنها تحشر وتموت  وقد وردت في اللسان المحشرة " ما بقي في الأرض وما فيها من نبات بعدما يحصد الزرع فربما ظهر من تحته نبات أخضر فتلك المحشرة، يقال: أرسلوا دوابهم إلى المحشرة ". وفي وجه من أوجه المشاكلة تقتل (صالحة) الأم الولود بمهاجمتها المستمرة من أهالي القرية ابتداء من ( عامر ) وانتهاء بـ (الفقيه ).    

  يقتل الثور في (ريح الكادي) وهي الرواية السابقة للمشري، وذلك حين يقتل طفلة صغيرة " وهدى الله فلاناً إلى حمل بندقيته، فعبأها ورمى  وعبأها ورمى، ورمى ثلاثاً أصابت الأخيرة الرأس بين القرنين فخار وهوى " ريح الكادي  ص82.  وكذلك تقتل البقرة في مرحلة تالية كما في الافتتاحية رقم ( 15) في ( ريح الكادي) "ومرت السكين على رقبة بقرة الجدة على رضى منها "، أو في حوار الأب مع ابنه في الرواية السابقة نفسها " أبغيك تستدعي زوج أختك صالحة، ومن ترغب من الجماعة .. تذبحون البقرة، وتوزعون لحمها على أهل القرية".

  وكثيراً ما كان زواج الأرملة هاجساً للسرد العربي و الموضوعة الأساس ( الثيمة) مع انعطاف مراحله واختلاف تياراته؛ إلا أن المشري ينطلق في ذلك من توظيف لهذا الجانب ضمن منظومة أكبر يسعى إلى تفكيك بناها التحتية التي أسرفت في تثبيت بنيات خطابها عبر العصور، فهو يأمل أن يفسح بمزيج من الحذر والقلق لخطاب جديد يتأسس انطلاقاً من رؤية أحدث وأكثر إيماناً بقدرة الذات على تجاوز الواقع أو على الأقل الانفصال بتلك الرؤية والقدرة على إعطائها الاتجاه الأنسب المتعايش لا المتنافر مع الرؤى الأخرى.

  ويتوافق ذلك تماماً مع ما وقع فيه السارد عندما يتماهى خطابه الفردي في النهاية مع الخطاب الجماعي بتفعيل آليات خطابه المغلق، ولاسيما استخدام بعض مفردات الشخوص المتداولة محلياً، فتنطلق تعبيراته موافقة لتلك الشمولية "صاح الناس على  صالحة بنت أحمد"صالحةص89. لقد حدث ذلك لدى السارد في مستويين اثنين: أولهما يتم بإدخال الخطاب الجماعي بوصفه مغلقاً في السرد، وذلك عن طريق إحداث حالة من اللاتوازن  في التعبير اللغوي  بمراوحته بين مستويين من اللغة:

  لغة السرد الأولى التي بني عليها النص السردي، ولغة شخوص السرد  ولعل اختيار ( بنية الاسم ) التي اعتمد عليها النص كان ناتجاً عن تلك التحولات التي تراوحت بين الخطابين.

  صالحة تتحول إلى صالحة بنت أحمد ومن ثم إلى بنت أحمد، ولغة السرد تتحول هي الأخرى إلى لغة جماعة الشخوص " اخترط الريالات من يد عامر" ص 33" أخذتها إلى صدرها وغممتها " ص 28.

  لكن الاستخدام الأكثر للغة الذي يبدو أكثر إيغالاً في الخضوع لذلك النوع من الخطاب حينما يبدأ في استلاب شخصيته من اسمها ويعدها مرتهنة إلى الاسم الثاني ( اسم الأب) فيصبح تناولها من خلال تلك الزاوية ( بنت أحمد ) ولم يأت الأمر اعتباطاً هنا قدر تناسبه مع تتابع الحدث "أنفقت بنت أحمد كل بصرها تدعك بين راحتيها خيطاً رفيعاً"ص74.

" قالت بنت أحمد أنها جاءت تريد من زوجها أبو عطية "ص 82  " وعندما فرطت بنت أحمد ذؤابة شيلتها لتنقده أجرة ماطوره ..فرك فمه بالسواك" ص85، وإن كانت اللغة السابقة هي لغة السارد المتأثر بروح الخطاب الجماعي، فإن  مقولة  عامر "  إن كنت ( بنت أبوك)  فأسقيه بدلوك "ص84 . تفضي إلى وضوح في الرؤية ونوع العلاقة بين صالحة  وعامر.

  ويبدو خطاب " عامر " نابعاً من خطاب الجماعة، فأقربهم إلى "صالحة" يقول لها " اسمعي يا بنت الرجال "ص119.

  وربما كان مثل هذا الأمر لا يقتصر على " صالحة " فهاهي " عزة " تتحول بعد سجن أبيها إلى  بنت مرزوق " أما " بنت مرزوق" فكانت تمشي بخطوات سريعة قليلاً خلف " صالحة " ثم تتوقف على قدر السعلات الجافة " ص110.

 من هنا يتراءى السؤال التالي: لماذا يحدث ذلك التماهي مع لغة الشخوص من قبل السارد؟.

  إن ذلك التماهي بين لغة السارد ولغة شخوصه يأتي انطلاقاً من ذلك التعايش بينهما، فالسارد حين يستخدم لغة تتراوح بين مستويين من اللغة فإن ذلك يوافق النزعات والاتجاهات التي عرضنا لها آنفاً،  فخطاب السارد هنا بحث عن إدماج الجماعي في صورة الفردي، والفردي في خطاب الجماعي. الأمر الذي أوجد لنا في النهاية نصاً روائياً يقوم على ذرات متعددة، فهو عدة حكايات منتظمة في إطار سردي واحد.

  في نهاية النص كان خروج " صالحة " من منزلها حين " كان التراكتور الأصفر الكبير يزحلق في الآذان أزيز سيره المجنزر القوي، ويتأهب لهدم البيت "ص 145، يستغني السارد بعد ذلك عن ذكر اسم " صالحة " في الفقرتين الأخيرتين من النص، ويكتفي بذكر الضمير الغائب بعد ذلك في أكثر من عشرة مواضع متتالية، وتصبح بلا اسم حتى أن جارتها تصر على إخراجها من البيت وصالحة متشبثة بالبقاء فيه، ولذلك نجد الجارة تقول " هيا ... قومي يا مخلوقة، ما حد يقدر يعاندهم " هنا تتحول لتصبح مخلوقة فحسب. المعرفة تتحول إلى نكرة، وذلك لفقد صالحة أغلى الأشياء وأثمنها، لقد فقدت صالحة البيت الذي تحمل فيه هويتها، ولا عجب إن  فقدت اسمها وأصبحت (مخلوقة ) فحسب.

هوامش

* عملان روائيان للقاص عبدالعزيز مشري، صدر الأول منهما عام 1993م، والثاني عام 1996م. للمشري من الأعمال السردية موت على الماء ـ قصص ـ 1979م، الوسمية ـ رواية ـ 1986م، أسفار السروي ـ قصص ـ 1986م، بوح السنابل _ قصص ـ 1987م، الزهور تبحث عن آنية ـ قصص ـ 1987م، الغيوم ومنابت الشجر ـ رواية ـ 1992م، الحصون ـ رواية ـ 1992م، أحوال الديار ـ قصص ـ 1993م.

      1.        عبدالعزيز مشري: مكاشفات السيف والوردة. نادي أبها.ط1. 1996م.ص 85.

      2.         السابق . ص88.

      3.         الفيروزبادي: القاموس المحيط .مادة ( كدا) .

      4.        ابن منظور: لسان العرب. مادة (حشر).

 

madwani@hotmail.com

www.m-adwani.8m.com