هل تقاوم روايتنا التجريب بوصفه الأداة النصية التي ترسم النهوض بهذا الجنس نفسه ؟ وهل استجابت الرواية لآليات التجريب متأثرة بالتطور الروائي وفاعلية الجنس الأدبي ؟ ولعلنا نعيد السؤال في الصيغة التالية الأكثر ذاتية: لماذا نرفض التجريب في الرواية ؟ ربما يبـدو ذلك في ثقافتنا أكثر وضوحاً . وكيف يمكـن لنا أن نتعـرف على مظاهر التجريب في النـص الروائي؟ وما دور البنى المجتمعية في ذلك؟ وأخيراً : هل يمكن لنا أن نطلق على العمل المقاوم للتجريب رواية؟
إن هذه الأسئلة تمثل في مجموعها الإشكال الذي ينبغي تناوله من ثلاثة جوانب : جانب يتصل بهذا الحنس الأدبي في إطاره الكوني، وجانب آخر يتصل بهذا الجنس الأدبي في واقعنا الثقافي العربي، أما الجانب الثالث فيتصل بملامح التجريب الروائي في النص الروائي ورصد تلك البذور التي أنجزت في فضاءات تجريبية واعية.
ولنبدأ من الجانب الأول الذي يتناول تشكلات وتنامي هذا الجنس الأدبي ( الرواية )، إن جذور الرواية تبدو أقدم مما نتصور، إنها جذور يمكن رصدها عن طريق الأسئلة التي سبقت تبلور الرواية نفسها إذ أصبحت جنساً تعبيرياً يحتل الصدارة منذ القرن التاسع عشر ، لكن هذا الاحتلال للصدارة لم يكن وليد اللحظة الآنية أو التي سبقتها ولكنه نتاج تراكمي لنوى سردية منذ القدم ، لكن هذا التراكم أو تلك النوى تتفق في مجموعها على تكوين صورة التغيير ونفي صورة الثبات عن هذا الجنس الأدبي.
يمكن أن نعود ببداية تلك الأسئلة إلى الحقل الفارغ أو ما يطلق عليه برادة الخانة الفارغة التي نظر لها ( أرسطو ) عندما رصد حدود الأجناس الأدبية ، و آثر ترك الخانة الفارغة ( الحقل الفارغ ) الذي يتمثل في إمكانية قيام جنس تخييلي سردي ، لقد جاء ذلك في الاستهلال الذي يقترحه محمد برادة لمداخلته في معهد العالم العربي ما يكشف بعض هذه الظلال فبرى " إن هذا الجنس وجد قبل أن يتحقق وظل باستمرار قابلا للتلاشي والانبعاث ملتصقاً بالآني والسرمدي،" أسئلة الرواية أسئلة النقد ص5 .
تبقى الرواية الجنس المفتوح على الحوار الدائم، ومحمد برادة الروائي والناقد الذي اضطلع بمهمة ترجمة كتاب باختين ( الخطاب الروائي ) إلى اللغة العربية يدرك تماماً ما يعنيه ( باختين) في إشارته المهمة إلى أن الروايـة تظل الجنس الأدبي الوحيد الذي لم يكتمـل بعد، وإشــارة ( باختين ) هذه تعني تركيز الرؤية الباختينية على الرواية بوصفها جنسا متحولا لا بوصفها جنسا قاراً له حدوده التي لا تتغير ولا تطالها طائلة الإبداع ، كما أنها تحول الرواية إلى جنس أدبي يقبل الحركة والتنامي ويرفض السكون.
وإذا كان الإبداع يقتضي بوصفه مفردة لغوية دالة على الخلق و التجديد والتغيير والابتكار دون الرضوخ إلى مثال Ideal أفلاطوني أن تستتبعه منظومة الإبداع بوصفها فعالية ثقافية تلتزم وضع النص الأدبي في موقع التنشيط الذي يتجاوز البناءات و يثور على القوالب النصية الجاهزة التي تتواتر إلينا عبر العصور، ولا يمنع ذلك أن يكون دون وعي من المبدع نفسه، وبالعود إلى الرواية سنجد حوار الرواية مع الأجناس الأخرى حوارا مبنياً على وعي التكامل لا وعي الإلغاء، كما بني على الشمولية واستبعاد التجزئة وتهميشها.
إن انبناء الثقافة العربية على الصوت الواحد الذي تمثل في الهيمنة الشاملة للفن الشعري جعلت الفن الروائي يصادف عقبات كثيرة ، أدت به إلى تأخر تناميه مقارنة مع الفنون الأدبية الأخرى التي قبلت أن تكون حقلاً للتطوير والتجريب. ومما تنبغي الإشارة إليه كون هذه البنية الذهنية والمعرفية التي لا تقر بتواتر تجريبي والتي تشكل الثقافة العربية برزت ـ في أحايين كثيرة ـ بوصفها عنصر إعاقة لا بوصفها عنصر دعم ومساندة.
ولما كان التجريب بذرة الإبداع والرواية جنس أدبي مرن يستمد أصالته من ذلك التجريب فإن الرواية والتجريب يبدوان وجهين لعملة واحدة لا انفصال بينهما وإذا غاب أحدهما فقدنا الآخر، ولا يشترط في التجريب أن يكون ذا مقاييس محددة تتنازعه أهواء الشد إلى الخلف أو نزعات التقدم إلى الأمام قدر جديته واهتمامه باكتشاف مجاهل هذا الحقل السردي واختراقه. وإلا أصبح التجريب ذاته مقولباً .
وحول أهمية التجريب يرى أسامة الملا إلى التجريب بوصفه خيارا كتابيا لا مفر منه في الجنـس الروائي " به ومن خلاله استطاعت التجربة الروائية أن تُقيم علاقة مشاكسة ما بين نموذجها المتحقق في بعض النماذج الروائية وما بين ممكنها المتخيل في أفقها المستقبلي، ولذا كان التجريب خيارها الوحيد في كسر النموذج النصي وتحقيق رغبة النص الروائي للبحث عن نموذج مخالف " الآطام عدد10،ص 79.
إن العمل الروائي الجاد يعلن صراحة وبحيادية تامة أن الكاتب ليس عبداً للأجناس ولا تابعاً لها، إن المبدع الحق من يخلق تلك النصوص التي تفرض على الجنس الأدبي أن يتماهى مع منتجه، متجاوزا تلك الثقاليد والأعراف الكتابية التي تشكل عائقاً معرفياً أمام الثورة الإبداعية حين لا يحرص المبدع على أن يقيم علاقة بين منجزه الكتابي والتقاليد الأدبية السائدة ، أو لنقل حين لا يجعل قلمه منخرطاً في مدار الاقتداء والتمسح بسقف جنس أدبي محدد. لقد ظلت الرواية جنساً أدبياً تتبدى قدرته وصلابته مع مرور الزمن على خلق نماذج مختلفة من التعددية تتجاوز التكنيك السردي إلى العوالم التي تتصل بها فضاءات النص.
ومن دور المبدع لنا أن ننتقل إلى الدور الجديد للقارئ ، وهو الذي يتكون لديه أفق انتظار للعمل الروائي قبل تناوله ، و يتحدد هذا الأفق بعوامل مختلفة من بينها تجربة القارئ السابقة أو الأولية مع الجنس الأدبي الروائي ، ويضاف إلى ذلك تلك المعرفة السابقة بأسلوب كاتب روائي معين، أو خبراته القرائية في الرواية بأنواعها وتياراتها ، ومن ثم دور العادات والطقوس التي تتحكم في ملامح القارئ النفسية والاجتماعية.
وإذا كانت الرواية في لحظة تاريخية ما قد بدت من الأجناس الأدبية التي يسهل تناولها، ولا يجد القارئ حين قراءتها حاجة إلى العودة إلى معاجم اللغة ومعاجم الأساطير وغير ذلك فإن القرن العشرين الذي احتضن رواية الحداثة وما بعدها دفع بالرواية إلى حمل سمات وملامح لم تكن من خصائص الرواية الكلاسيكية. حين واصلت الرواية الركض في حقل التجريب محتفظة ببعض معالم الرواية الرئيسة لكنها كانت متجاوزة مفهوم الرواية البسيطة والسهلة للقارئ الكسول ، لينتقل الكسل بوصفه مفهوماً للقراءة والتأويل إلى النص نفسه ، وهو ما يفترضه (إيكو)حين أشار إلى كون النص آلة كسولة ، لذا كان دور القارئ دور رئيس يستمد شرعيته حيث يقوم بتنشيط هذه الآلة ويفعلها.
هنا يتجلى الفرق الكبير بين دور القارئ كفاعل نصي وبين الدور المحدد للنص الروائي الذي أشير إلى سبب تأليفه ، وسأستشهد بمقطع صغير ورد في مستهل مقال نشرته مجلة المقتطف بعنوان ( الروايات ) للمحامي حبيب بنوت 1890م ، أورده علي شلش في كتابه عن نشأة النقد الروائي في الأدب العربي الحديث إذ كتب محددا وظيفة الرواية " القصد من تأليف الروايات تسلية الخواطر وتهذيب الأخلاق ، وذريعة ينهى بها عن ارتكاب الدنايا على اختلاف أنواعها " ص 35.
يشير هذا التعريف إلى دور الكاتب التربوي الذي قد يتلاءم مع فترة البذور الكتابية الأولى للرواية، ولكنه يلغي دور القارئ الذي يصبح أشبه بالمستقبل السلبي الذي لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم ، إنه المستقبل المشلول القابل للكتابة على أي وصف.
من جانب آخر ، يماثل هذا الموقف دعوة أخرى كتبها الرافعي حين قال " أنا من أجل ذلك لا أزال إلى الآن مع الأدب العربي فنه وبيانه أكثر مما أنا مع الحكاية ولغتها وعواطفها … إن الكتب ليست شيئا غير طبائع كتابها تعمل فيمن يقرؤها عمل الطباع الحية فيمن يخالطها، والرواية إذا وضعها كاتب فاجر ، فهي عندي ليست رواية بل هي عمل يجب أن يُسمى في قانون العقبات فجوراً بالكتابة ".
إن القارئ المعاصر قارئ فاعل نشط ، ولنقل : إنه قارئ مبدع يبث نشاطه عبر النص لينجز إبداعاً جديداً ، ومن هنا تتبين لنا أهمية التجريب في تطوير هذا التكامل المعرفي الأخاذ بين منظومة الاتصال الثلاثية ( المؤلف ـ النص ـ القارئ ).
أما الرواية ـ في صيغتها الأحدث ـ لم تعد ذلك النص الذي يقرأ لوظيفة جلب النعاس على سرير النوم، ولكنها تقرأ كي تخضع للبحث والتتبع والاستقصاء الذي يخلق جوا معرفيا شموليا، إنها طاقة معرفية متنوعة ينهل منها القارئ ويضيف إليها من وعيه وثقافته، إنها قراءة تكاملية لا يتحقق للنص الروائي وجوده دون وجود القارئ الفاعل ، إذ لا يكتسب النص الروائي فاعليته دون قارئ فاعل وإلا أصبح الكتاب الذي يضم العمل مجرد شيء مادي لا قيمة له ما لم يفعل بالنشاط القرائي.
ولا أنسى أن أشير إلى الدور الحقيقي للتطور الزمني الذي يفترض مواءمة التعريفات ومواجهتها فتعريف الثقافة قبل خمسين سنة لا يمكن مطابقته ـ على أية حال ـ بتعريف الثقافة الآن ، ولو قلنا : إن التعريفات والمفاهيم ثابتة لا متغيرة فإننا سنظلم أنفسنا قبل أن نظلم المفاهيم ذاتها.
يظل مفهوم الرواية تبعا لذلك مفهوماً متغيراً قابلاً للتطور، ولو لم يكن كذلك لما كانت مجالاً لخلخلة المفاهيم وممارسة الهدم ما شكل مسارات مهمة في الرواية العربية عامة فكان التجريب الذي وظف آليات مختلفة في الكتابة الروائية وخلق ملامح متنوعة لللمنجز التراوائي التجريبي ومن أبرز هذه الملامح : التهشيم المتعمد للبنى السردية التقنية المتصلة بالراوي والزمن والمكان وغيرذلك ، ونسج بنى جديدة على أطلال ذلك . إلى جانب غلبة التذويت ومزج الخطابات الأخرى وتغليب الفن العجائبي ( الفانتازي ) واستعارة تقنيات الكتابة الشعرية الجديدة .
إن مثل هذا التوظيف الذي جعل الرواية حقلاً لممارسة أنواع مختلفة من التجريب، مارسه عدد من الروائيين العرب ولعلنا سنجد من الأسماء العربية أدوار الخراط وصنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني ورجاء عالم والطاهر وطار وغيرهم من الروائيين الذين حددوا مظاهر الرواية العربية الجديدة ، وهذه المظاهر لا تشكل سوى بعض الملامح لرواية عربية تتوخى النهوض بنفسها قبل أن تموت هذه الكتابة في مهدها الأولي.
إن الرواية لا تلتزم بتعريف شامل ساري المفعول عامة، فإنه ينظر إلى هذه الإشارة بوصفها تحمل في طياتها الصفة الأبرز لهذا الشكل الأدبي. ذلك أنه "حتى اليوم الحاضر لم يستطع تحديد تعريف واضح، ولا مفهوم للرواية. فلا يوجد رواية، وإنما روايات كثيرة". (معجم المصطلحات المختصة، مادة الرواية)، وبهذا لم يقل أكثر ولا أقل من أن الرواية تتصف بالحيوية للغاية، وأنها ما زالت تواصل تطورها. وفي سياق التطور التاريخي للرواية لم تنقص المحاولات لتعريفها وترتيبها من خلال "البويطيقا" المعيارية بصورة نهائية. لقد استطاعت الرواية من خلال طاقتها الهائلة في التغير، ومن خلال استمرار تطور إمكانات تصويرها المتنوع أن تنجو من هذا الخطر دائماً. كما استطاع شكل الرواية لمدة طويلة أن يتخلّص من كل مشدّ (بويطيقي) استخدم عن وعي أو من دون وعي في محاولة لحصر المجال الأدبي للرواية وإمكانات تطوره ، هذا ما تناوله توماس نويهاوزر في بحثه الذي ترجمة: د.محمد فؤاد نعناع في مجلة الموقف الأدبي ، العدد 367 تشرين الثاني .2001