Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

في الرواية النسوية السعودية

في الرواية النّسويّة السعودية

  تسعى روايتنا الحديثة إلى أن تتشكل  بصورة يغلب عليها طابع الجّديّة والبعد عن التناولات الهشّة التي  اتسمت بها بعض الأعمال في فترات سابقة ؛ الأمر الذي أدى إلى بعد هذه الأعمال عن التواصل  والتفاعل في الساحة العربية، في حين بلغ النّصّ الروائي لدينا درجة متميّزة في الأوساط الثقافية العربية، إذ بدأ تميّزه النوعي وتعدّدية الاتجاهات فيه عبر أعمال سردية  مقدمة من " غازي القصيبي " و"تركي الحمد " و"رجاء عالم " وغيرهم.

  وقد مثّلت الأعمال النّسويّة نسبة لا بأس بها من مجموع  الأعمال، إذ بلغت ما يزيد على سبعة وعشرين عملاً روائياً، اعتمدت في مجموعها على المكان كبنية لها خصوصيتها المتفردة في النّصّ الروائي، إلا أن بعض هذه الأعمال قد تميّز في توظيفه لتلك الخصوصية واستثمارها  كمادة لها أبعادها المتشابكة.

 من هنا كان اختيارنا للجسد الروائي التالي :

  1)    رباط الولايا لهند باغفار.

  2)    اللعنة لسلوى دمنهوري.

3)    آدم  يا سيدي لأمل شطا.

4)    مسرى يا رقيب لرجاء عالم وشادية عالم.

  ولا يعني اختيار هذه الأعمال تفوّقها النّوعي قدر ما يشي ذلك بمناسبتها التامة لموضوع يمكن وصفه بأنه حيوي وفعّال في السرد، إذ تبدو الحاجة ماسّة أحياناً إلى التعرف على خصائص المكان وعلاقاته المتشكّلة نصّياً في الرواية الحديثة. كما لا يعني ذلك الاقتصار على هذه الأعمال فحسب، بل قد يمتد هذا التناول أحياناً إلى أعمال لم تسبق الإشارة إليها.  ومن البدهي أن تطفو التساؤلات التالية التي تنبثق من محاولة مساءلة هذه الأعمال والحوار معها:

  لماذا كان اختيار مكوّن سردي كالمكان في هذه الأعمال النّسويّة ؟  ولماذا تمّ إهمال المكوّنات السردية الأخرى التي يحفل بها النّصّ الروائي كالزمن والشخصية وزاوية الرؤية؟.

  سيكون تلمّسنا للإجابة عن هذه الأسئلة نابعاً من السعي وراء محاولة استقصاء لذلك المكوّن السّردي المهمّ في النّص. فاستهداف المكان كمنطلق أولي  للدراسة النقديّة في الأعمال الروائية النّسويّة سيكون بلا شك مدخلاً مناسباً للسعي وراء فتح آفاق هذه الأعمال الروائية واستنطاقها. ولعلّ ذلك يتم باستحضار العلاقات المهمّة التي تصل المكان  ببقية العناصر السردية الأخرى، بل قد يتسلّط المكان وتصل سطوته حدّ التهميش لبقية المكونات السردية ولاسيما في نصوص سردية نسويّة كتلك؛ إذ تؤسس على المكان جوانب كثيرة لعل أبرزها: علاقة الذات الفاعلة بالمكان كمكون يسهم في تشكيل هذه الذات قدر إسهامها في تشكيله.

  وسنهدف هنا إلى البعد عن تلك الثنائيات المكانية التي طالما اهتم بها الباحثون في إطار تناول الثنائيات كجدليات متناقضة داخل النّصّ الروائي، ساعين إلى تركيب شكل تكاملي لذلك المكون ربّما يطرح تصوراً عاماً عن أبجديته وأزمته في الرواية النّسويّة السعودية بوصفها نصّاً واحداً يسعى إلى استقلاليته وتميزه؛ ويطرح تصوراته الشعرية الجديدة إلى حدّ ما حول المكان وجمالياته .

  ولذا ستكون مساءلتنا لهذه الأعمال منطلقة من المكان السردي في الجسد الروائي المقترح بوصفه لوحة متضمنة ثلاثة أبعاد مكانية توشك أن تشمل الرواية النّسويّة الحديثة لدينا. وهذه الأبعاد هي: المكان المنفي، والمكان المغلق، والمكان الأسطوريّ، مع مراعاة اختلاف الاتجاهات الفنية التي تتشكل بها الأبعاد الثلاثة، حينئذ يمكن أن تندرج بقية الأعمال النّسويّة ضمن هذه الأمكنة الثلاثة.  

 

 

 

المكان المنفي

  تحرص هند باغفار  في روايتها التي بعنوان ( رباط الولايا ) على أن يكون عملها استنطاقاً لشخصيات منفية في مكان منفي  وهي محاولة جادّة لتأصيل التراث الشعبي الحجازي عبر  العناصر المتنوعة التي وظّفت في الرواية. ومن أبرز  العناصر المجسدة لأبجدية المكان المنفي في هذا العمل:

 

               ·   العنوان

  ( الرّباط ) هذه المفردة التي تتشظى دلالاتها وتتنوع في اللغة العربية،  فالرّباط في الأصل: الإقامة على جهاد العدو بالحرب، ما تشد به القربة والدابة وغيرهما ..والرّباط الفؤاد كأن الجسم ربط به .. المواظبة على الأمر   ، ويفضي ذلك كله إلى دلالات الرتابة والملازمة و الإغلاق، والرّباط كعنوان للرواية يقصد به ـ كما تحدده الكاتبة في القوائم الملحقة بعملها السردي ـ " السكن الذي يُقدّم مجّاناً لمجموعة من السيدات المحتاجات ، وقديماً كان يُقدّم من قبل المقتدرين من الناس، وكثيراً ما كانت تخصص هذه الأربطة كأوقاف لصالح الولايا"(1).

  والرّباط في النّصّ فضاء رمزي ُيعدُّ الأنسب لاحتضان  الأشياء قبل الذوات ويؤطر تلك الموروثات مجتمعة حين تحاصر مظاهر العصر الحديث هذه العناصر مجتمعة، وتقوم بتهميشها وإغفالها، و قد تم تعالق هذه الأشياء غير المركزية بالإنسان الذي أقصاه المجتمع، ولهذا ارتضى الرّباط موقعاً له.

  ولاشك أنّ تناول المكان المهمش والمنفي الذي تستنبت فيه الشخصيات النّسويّة المهمّشة وذات السلطة المتلاشية في المجتمع يفضي بنا إلى تناول كثير من العلاقات المتنامية بين الرّباط وأولئك النسوة بتحولهن إلى شخوص روائية، إلى جانب علاقات المكان بالأمكنة الأخرى التي تعد مرتعاً مثالياً يمكن المجتمع من إقصاء بعض أفراده المهمّشين كالمستشفيات المختصة بالبرص والجنون.

 

               ·   علاقة الذوات بالمكان السردي

  تبدو علاقات الذوات وهي في الإطار السردي في وضع أقرب إلى الاختناق ومن ثم التلاشي، وإن حاولت التطفّل على أحلام الماضي والتمركز حوله، عبر استرجاع الذكريات ـ ولا سيما ما يتصل بالعمل والإنتاج ـ أما الذكريات المتصلة بالعلاقات الإنسانية فهي تشكل خيطاً واهناً في الرواية، فالمكان هنا لا يدعم إشعالها ولا يزيد لهيبها لعدم ارتباطه المباشر بفترة سابقة لدى هذه الذوات، فهو مكان طارئ على  الشخوص يقمع حريتها التخييلية كلما أرادت البوح بأسرارها، كما يمنع حرية الحركة، إنه أشبه بالسجن أو المصحة  مع الفارق الكبير الذي يعطي فرصة الانطلاق ومنح الحرية المفقودة لنزلاء السجن أو المشفى، ولنا أن نستعيد مقولة لغاستون بشلار  "الذكريات ساكنة وكلما كان ارتباطها بالمكان أكثر تأكيداً أصبحت أوضح"(2).    

  الذكريات هنا لا تتصل بالمكان / الرّباط بل تجد تحليقها خارج الرّباط بوصفه مكاناً عازلاً ومعزولاً في آن: إنه عازل  للذوات حين لا يمنحها لذة ملامسة الذكريات، وهو معزول عن كل ما هو جديد وحضاري وحديث، بل يكاد يقيم الخصومة مع هذه المظاهر.

  ومن حيث التقنية السردية ظل الرّباط ذلك المكون السردي الذي يلقي بظلاله السوداء على كافة المكونات الأخرى، لتبدو الذوات عاجزة هنا عن الحركة ومجاراة تلك التغيرات الطارئة على المجتمع حينما يطغى المكان على فعلها وتبدأ في محاولة التعايش والانسجام فيما بينها فحسب "  لأنّ المكان هو كل شيء، فالزمن يتضاءل لتتوقف استمراريته وحركته فالذوات هنا تعجز عن معايشة الزمن وتبدأ علاقتها بالمكان"(3).

  تبدو علاقة الرّباط مع النساء كـ ( بشرى ) و( زينب ) و(نور ) و(أسما ) و (حفصة ) و (زين ) علاقة احتضان أمومي، إنها علاقة تشبه صورة احتضان الرحم للجنين، ليكون الرّباط ذلك المكان الذي يمثل الملجأ والحماية التي يأوي إليها الإنسان بعيداً عن متاعب الحياة وضجيجها المستمر بعد أن أفقد المجتمع هؤلاء النسوة أعمالهن القديمة نتيجة العجز والهرم والمرض . فبشرى التي كانت تعمل طبّاخة " يا ما أكلت نص أهل البلد من صيادية ومشرمل …"  ، وزينب " أحسن قهوجية في البلد " (4). أما نور فتعمل " زفافة تنص العرائس " ، في حين كانت اسما  "تقف في الجوازات والعزايم وتشيل العبي وتكتب أسماء الحريم عليها "(5).

  وبانعدام فعل الإنتاج والعمل لدى أولئك النسوة يصبح الرّباط المكان الأنسب لنزلهن، ليتحوّلن  إلى كائنات غير فعّالة تنتظر الفعل من زاوية خارجية، كما يعشن حياتهن في أحلام (خارج الرّباط ). وقد يكون ذلك الفعل مد يد العون من (الجمعيّة الخيريّة ) ـ كما أرادت الكاتبة ـ إذ تعقد بعض عضواتها حواراً معهنّ، و يفضي الحوار بلا شك إلى تفوّق للجيل الجديد، بما يحمله من إمكانيّات حديثة، وتبدأ النسوة في الانجراف نحو التيار الذي يحمل لواءه عضوات الجمعية. أما التيار المخالف فكثيراً ما يصاب بنكسة أو هزيمة كما في محاولة علاج مريضة بالماء والسكر ينتج عنها ازدياد المرض واللّوم والتّقريع لتلك المحاولة البدائية.

 

               ·   علاقة الرّباط بالمدينة       

  وتأتي علاقة الرّباط بالمدينة كعلاقة هامش بالمركز لا جدوى منها، فإقامة مكان في النّصّ لابد أن تحوي ولو ضمنياً الإشارة إلى مكان آخر، وهو ما يمكن وصفه بالمكان الغائب الذي أشار إليه أحد الباحثين بقوله " في البعد الآخر للمكان ونعني به البعد المخفيّ أو البعد الجدليّ نعثر على قيمة جديدة لفاعليته. فبالضرورة يحذف النّصّ المعلن نصاً آخر، وعندما يعتمد الكاتب مكاناً ما يلغي مكاناً آخر بالقصدية نفسها"(6).

  الرّباط وإن توسط المدينة وتمركز في داخلها فإنه يظل مركزاً عديم الفعاليّة ليحيل إلى هامشية المكان، إذ يبدو من الممكن الاستغناء عنه، وربما تميّز الرّباط بهذه الميزة عن مصحات البرص والجنون التي كانت تتمركز ـ كما أشار إلى ذلك ميشيل فوكو ـ في مداخل المدن، والهدف من ذلك العزل مع بقائهم تحت نظر المجتمع وسلطته، ومع أن العزل مفروض على نزلاء المصحة إلا أنه هنا في الرّباط عزل اختياري / إجباري  يرمز إلى رغبة في الهروب من قسوة المجتمع الحديث واستلابه الإنسان، كما أنّه المكان الوحيد الذي لا يوصد أبوابه أمام هذه الفئات في المجتمع، إنه الحياة الجديدة في ظل (رباط) يقيد الإنسان ويشدّ وثاقه ويفقده كثيراً من القيم التي قضى زهرة عمره في تتبعها.

  ولذا نجد التعاون والألفة تصل بين شخصيات الرواية التي تعيش في مجتمع مخالف تماماً لأجواء المجتمع الخارجي الذي تسود فيه روح التفكك والانقسام بين أفراده، ولذا فلا مندوحة من " النظر إلى المكان هنا بوصفه نظاماً اجتماعياً اقتصادياً عاطفياً تنتظم فيه العلاقات البشرية في هذه المجالات"(7).

   يبدو الرّباط هو المكان الوحيد الذي يسمح بإقامة  العلاقات بين شخوصه، ولو افترضنا مكاناً آخر لما وجدنا تلك العلاقات القائمة على الألفة والمودة، بل ستتحول العلاقات الإنسانية الحميمة المنفية في الرّباط مع غيرها من (أشلاء الماضي ) إلى علاقات تقوم على المنفعة والفائدة، ولذا قال بودلير: في القصر لا مكان للألفة.

  فالرواية تستبعد هذه العلاقات العاطفية المرتكزة على الثنائية المعتادة: رجل/ امرأة  لتؤسس لعلاقات من نوع آخر امرأة / امرأة.  غير أن  العلاقات لا تعني التأسيس لمكان أنثوي قائم بذاته ولا لمفهوم أنثوي يرفض أشكال العلاقات القائمة بين الرجل والمرأة المبنية على العاطفة والجنس، على الرغم من محاولة التأنيث اللغوية كما في حالة الأسماء اللافتة التي تصر شخصيات الرواية على إلحاق تاء التأنيث بها "كلكم حرف الهاء في أسمائكم ...كل الحريم اللي في البلد يزودوا حرف الهاء في أسماء عيلتهم"(8)، فأولئك النساء طالما عشن حالة من استنفار الماضي من خلال ذكرياته المختلفة، كما أنهن لم يخترن بأنفسهن الإقامة في هذه الجزيرة كجزيرة نساء مفترضة إلا بعد أن أوصد المجتمع أبوابه في وجوههن عبر استغنائه عن خدماتهن المتنوعة والاستعاضة عنهن بالفنادق والمقاهي الحديثة بوصفها المكان المناهض للرباط الذي أطّر الذوات بعد أن لفظتها الفنادق والمقاهي، وهو ما يرد في إحدى مقولاتهن " وجاءت الفنادق والخدم وأغنوا النّاس عنا  ..." (9).

  ويتوازى مع ذلك وصفات الطب الشعبي ( البلدي ) القديمة السائدة في المجتمع و انبثاقات نصية تضع ذلك القديم مقابل الجديد، وتسعى إلى تبرير الوصفات عبر خطوات متعدّدة.

  

               ·   الفضاء النّصّيّ للرواية 

  إذا كان الرّباط قد انعكس بشتى علاقاته القائمة على الإنسان فقد أسهمت أجواؤه السوداوية والمغلقة في التأثير شكلياً على الفضاء النّصّي للرواية. ويبدو ذلك جلياً في هذه اللغة المستخدمة في حوارات النّصّ التي احتاجت الكاتبة فيها إلى فك الإغلاق عنها بتخصيص معجم للغة الشعبية تزيد صفحاته على الستين ( يعادل ثلث حجم الرواية تقريباً ) فاللهجة الحجازية سادت لغة الحوار التي أسست عليها الرواية، وبدت هي اللغة المقابلة لعالم المحسوسات في الرواية أوّلاً، إلى جانب كونها الموازي المباشر للغة الفصحى. وهي لغة ممزوجة بالأهازيج الشعبية المتنوعة التي تخللت  الرواية  والحكايات الشفاهية المستندة على الموروث الشعبي.

  إن تأطير صفحات الرواية بإطار مزخرف تحشد فيه الحوارات المكتوبة بلهجة حجازية يتوازى موقع فضائها النّصّي مع موقع أولئك النسوة من المجتمع حين تتمكن منهن لغة الإقصاء والتهميش فلا عجب أن يطالبن عضوة الجمعية الخيرية بالحديث معهن بنفس اللغة بعيداً عن اللغة الفصحى: لغة المركز لغة المجتمع الخارجي "... يا أمي لا تهرجي بالنّحوي احنا يالله نفهم بالعربي حقنا ......."(10).

 

الصّور بوصفها نصوصاً موازية

  إلى جانب ذلك تتناثر الصور (الفوتوغرافية ) العديدة كشكل تعبيري يضاف إلى النّصّ، وتضمها جميعاً مسألة القدم والبلى ، وهي تشكل حيّزاً كبيراً في النّصّ إذ تتعالق مع  المظهرين السابقين لا للتضافر فحسب بل لإثراء الدلالات النّصّية. 

  ومن الغريب أن تتخذ أغلب الصور المرفقة بالعمل طابع الإغلاق، ابتداءً من تلك الصور التي ترصد مبنيين اثنين: أحدهما رباط الصوماليين، والآخر رباط الولايا (المقاطيع ).

  وتنساق منظومة من الصور تتوازى دلالياً مع المكان المغلق، حيث نجد أغلب الصور، إذا استثنينا عدداً لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، يخالف هذه الدلالة، وتتواتر هذه الصور المسايرة لنظام الرواية القائم على النفي والتهميش كما يلي:

خزانة حديد ، علبة ترصّ بها السجائر، لعبة الصناديق الخشبية، لعبة الشّبريّة ( وهي ذات شكل معلّب )، مسجّل ( لكنه من النوع القديم وله غطاء)، ملابس داخلية قديمة، حقيبة يد تستخدم لحفظ الأوراق، صندوق يعود صنعه إلى أكثر من سبعين عاماً.

  ولاشك أن تساوق مسار الرواية مع مسار الصور المرفقة قد ولد استثماراً جيداً لعنصر المكان المغلق والمنعزل في العمل برمّته، لكن هذا الاستثمار الذي يبدو جيداً وواعياً للعبة المكان في العمل؛ لا يتوازى إطلاقاً مع بقية المكونات السردية الأخرى.

 

                          المكان المغلق

  تتجذّر آلية الإغلاق التي شملها البعد الأول في الأعمال الروائية النّسويّة في عمل روائي لســـلوى دمنـــهوري بعنـــوان (اللعنة ) لكن هذا التجذّر يتبلور في شكل آخر  قد يكون مختلفاً عن الإغلاق الذي يتبدّى على مستوى البنية المكانية في رواية ( رباط الولايا).  ففي (اللعنة) فيتخذ الإغلاق مساراً آخر  مع أن المكان يوشك أن ينفتح في العمل، إلا أن اللغة توشك أن تسهم في إغلاقه بتفعيل ذلك الدور الذي تلعبه اللغة في ملء الفضاءات الروائية ليصبح المكان في العمل مقروناً غالباً بمكوّنين يبدو عليهما التضاد إلا أنهما مكملان لبعضهما: الصمت والفوضى، وقد وظفا في ظل تقنية الضوء التي استخدمت في العمل بشكل متواتر.

  يأتي دور هذين العنصرين  في ملء المكان، ومن ثمّ اختناقه وإغلاقه، لتتحول المدينة إلى ( رباط ) من نوع جديد؛ يمارس قمعه للذوات الكائنة فيه، وتتكرر مسألة الصمت المتصلة بالمكان بصورة تكاد تستعيد لنا ذلك المشهد الصامت والساكن حين الدخول إلى مدينة مهجورة فيعمّ الصمت ليسود المكان، فالعبارات المكررة توحي لنا بنوع من التعالق مع سلطة الصمت والسكون على فضاءات الرواية،  وهذه العبارات الواردة في العمل تضع في أفق المتلقي ذلك المشهد نحو:

" الصمت يغلف المكان  ـ  الصمت يغلّف المكان ـ  السكون يطغى لوهلة ـ   السكون يعم المكان "(11).

   لا يكتفي العمل الروائي هنا  بتلك التعبيرات المكررة التي تهيمن على الرواية، ولكنه يسارع إلى استخدام آلية أخرى تدعم هذه الرؤية. وهذه الآلية تنبثق من أهمية الضوء كعامل مساند لا يمكن أن يستغني عنه في الوصف الروائي، إذ يتبدى الأثر الكبير للعبارات في إظهار الجوانب المناسبة من المكان، فتدعم تقنية الضوء المستخدمة في العمل ذلك الإغلاق إذ يتحقق بتعميم الظلمة جانب من ذلك التشكيل المتمم للمكان فتتبلور العلاقة مع سارد العمل " الحوانيت مغلقة ، لا توجد مارة، ممر فرعي شديد الحلكة، أرضه مبللة ـ   الشوارع تكاد تكون خالية ، الطرقات مظلمة ـ المصابيح تزداد ذبولاً كلما توغل في ذلك المكان، فتجعله أكثر سكوناً ووحشة "(12). وقد تكون الرؤية من منظور واحد  يتماهى فيها السارد مع البطل  حين تكون الرؤيتان خاضعتين للكثافة الضوئية نفسها، وذلك نحو " شبح امرأة تركن في زاوية ، السكون يحيطها "(13).

    وتتفاوت درجات كثافة الضوء في المكان عبر هذه المجازات التي تترى في العمل "خطوط الليل تقترب ..، تتمدد ...تبتلع كل الأشياء ـ يفرش الليل ملاءته السوداء ، يغطي كل الأضواء ـ الدنيا ترتدي وشاحها الأسود "(14).

   وقد تتجدد في العمل هذه الآلية في استخدام الضوء، وذلك عبر توظيف التحوّلات الفصلية كما يرد في الرواية "الشتاء يقرع أبواب المدينة، ترعد السماء، البرق يرسم خطوطه غير الثابتة من مكان إلى مكان ـ  فجأة تسود الغيوم .... الهواء بارد .. الرعد نذير بهطول الأمطار ".

  " الأمطار مازالت غزيرة وكثيفة " " سحابة كبيرة تظلل المنطقة، الغيوم تملأ السماء "(15).      

  تدل تلك المقتطفات من العمل على إصرار السارد على إغلاق المكان. وربما تجّلى هذا الإغلاق عبر تصور ينطلق من عده فراغاً، يغلّب عليه السارد الصمت والسواد، وذلك لإضفاء النزعة التي حاول العمل أن يؤصلها من خلال رحلة العودة إلى شامل، وهي ما يمكن وصفها بأنها انطلاق مرحلة (اللعنة ) ومنتهاها، لذا كان اللون الأسود لوناً يطغى على العمل، عبر فضاءات الشؤم والمواقف الحزينة، فالظلام واللون الأسود متلازمان في رحلة الخوف و محاولة السبر التي قام بها شامل لاستكشاف ماضيه (مرحلة الطفولة ) بعد عودته إلى مدينته.

  وبينما يستثمر العمل عنصر الصمت لملء المكان، يمارس  ذلك العنصر الآلية نفسها مع عنصر الفوضى التي تخترق جدران الصمت، والتي سرعان ما تتحول إلى صمت كثيف أشبه بتلك الظلمات السوداء في زوايا الأمكنة المختلفة في العمل.

 ومثلما تتعدد العبارات التي تشير إلى سلطة الصمت والسكون في إغلاق المكان  تتعدد أيضاً في العمل تلك العبارات المكررة التي تشير إلى الفوضى بوصفها عنصراً متعالقاً بالمكان، وكأنها البديل الأمثل لانطلاقة اختراقات لسكون المكان، أو لنقل إنها من جانب آخر تشير إلى تحريك فعل السرد بتنامي عبارات مثل " الضجة تملأ المكان " ـ "  الضجيج يملأ المكان" " ضجيج يملأ المكان " ـ " صراخ وبكاء يملأ المكان "  "صوت عراك يملأ المكان "(16).

  وحين تتكرر هذه العبارات لكسر حاجز الصمت المطبق على  جوانب الأمكنة في العمل الروائي، فإنها تبدو وكأنها فترة استرواح لا تلبث أن تصل إلى الذروة، فالخروج عن الصمت لا يتحقق إلا بتلك الفوضى والضجيج المتكرر في العمل. وقد أدى ذلك بدوره إلى انعكاسات طاغية على شخوص الرواية، حيث يتحول المكان إلى شكل آخر من أشكال الإغلاق، بل هو أشد تأثيراً على شخوصه من (الرّباط)، فالشخوص في رواية (اللعنة) تعيش سجناً يتدرج من الطائرة ذات الحيز المغلق والمظلم كما تشير الرواية، إلى مكان مغلق لغوياً يتبدى دور الراوي في إحكام تفاصيله، ومن ثمّ إلى مكان مشوّه يصعب تحديد ملامحه.

  إنها شخصيات تعيش ظلمة حالكة  فـ ( شامل ) الشخصية المحورية في الرواية كثيراً ما يشعر بالاختناق؛ ولذا فهو  يجوب الشوارع شارداً لا يعلم إلى أين يتجه، وكثيراً ما كانت  لمحات الحزن تعلو وجهه، و تتجلى انعكاسات المكان في أبرز صورها معه حين " يكون ذهنه شارداً، وتفكيره محصوراً في دائرة مغلقة"(17)، و هو يعايش آلامه حين ( يغمض عينيه، يغوص مع الألم مع لغز ذلك البيت المبتور والمبهم في ذاكرته) ليعيش  شامل في مرحلتين متصلتين من الإبهام: إبهام المكان وما يستتبع ذلك من إغلاقه بالليل البهيم، وإبهام الذاكرة التي تعجز عن تحديد المكان.

  إن المكان هنا موضوع البحث لـ " شامل " يتراوح بين البيت الصغير أو الكوخ  ( يقف شامل أمام الكوخ الصغير متأملا )ولعل تحويل البيت إلى كوخ هنا يحيلنا إلى تلك النزعة الأسطورية التي تتدثر بها مفردة ( الكوخ ) كما أن  قيمة توظيفها هنا تنبعث من ملاءمتها الدلالية المناسبة للمكان المغلق والمنعزل " الكوخ يتحول إلى عزلة مركزة، لأنه في أرض الأساطير لا يوجد كوخ مجاور"(18).

   أما بقية شخوص القص فيسيطر عليهم ذلك الملمح المتعالق بشخصية شامل من جانب، والمتصل بأزمة المكان في العمل من جانب آخر، فـ  "شروق "  كثيراً ما تحس بالاختناق يزهق روحها، وبآلام حادة في الصدر،  كما أن عبارة تتكرر كـ (الحزن يملؤها ) تهمّش دور الذوات  لتنقلها إلى أوعية تظل موازية للمكان في العمل إن لم تكن متأثرة به. ولعل أبرز لوحة رسمت ذلك في الرواية، هذه العبارة التي ينقلها الراوي عن (شروق)  ويصفها بهذه الصفات التي يمكن عدّها مجموعاً لوصف تفصيلات المكان كما تجلت في العمل، حيث  اعتماد عناصر السواد والجفاف والشتاء، وهي  الآليات التي عرضنا لها آنفاً. فالتحولات المكانية السابقة تنعكس على شخصية الأنثى التي تعد من أهم شخوص السرد عبر تحويلها من لوازم مكانية حقيقية إلى تعبيرات مجازية تتصل بالأرض وكأنها الموازي المباشر للأنثى  " حولت أخضرها جفافاً، وماءها يابساً، وسماءها سواداً حالكاً، حياتها كلها أصبحت شتاء دائماً، وعواصف رعدية من الأحزان لا تشفع ولا ترحم "(19).

و يتكرر مثل هذا المظهر في تغليب الراوي اللون الأسود فيصف به أحد الشخوص الهامشية في الرواية، و ذلك بصبغه للذوات بصبغة المكان الروائي (رجل يقف أمامه أسمر اللون، قاتم، يرتدي ثوباً أسود).

 أما طارق فهو شكل مقارب لبقية الشخوص الأخرى، فطارق قلق مرتبك، ينهض من مكان إلى آخر.

 تصل ذروة العمل الروائي ( اللعنة ) إلى بؤرتين للمكان يتحرك السرد في إطارهما، وتكون  شخصية " شامل " الشخصية التي تنهض بذلك العبء، و تلك البؤرتان هما: البيت والصندوق.  ويتفق كلاهما في دلالاته المتصلة بالعزلة والسرية التامة، إلى جانب كونهما مقفلين: البيت مقفل يحمل أسرار وذكريات شامل ويكون محور بحثه، أما الصندوق الأسود الذي يحتفظ به زوج " شروق " فمع أنه لا يشكل محوراً للبحث لدى شروق التي يظل همها أن تصل إلى شامل، وتتخلص من الزوج، إلا أنه يبدو حاملاً لأسرار كثيرة تنكشف مع فتح الصندوق الأسود، وما كانت دلالة اللون الأسود هنا إلا لأنه اللون الملائم لإخفاء الأسرار.

  إن اللون الأسود الذي وصف به الصندوق يظل متوازياً بصورة أوضح مع لون الأمكنة التي أسدل الراوي عليها صبغة السواد نتيجة الوصف المتّصل بالظّلام البهيم، والأمطار الرعديّة.

  ولعل من الأنسب لنا هنا أن نعود إلى ذلك التشكيل المكاني في العمل الروائي السابق ( رباط الولايا ) حيث نجد الصندوق أيضاً بؤرة مكانية ترمي بظلالها على السرد، وما يثيره الصندوق ـنفسياًـ من السرية المصطنعة، والتوق الشديد إلى كشف وفضح ما فيه.

  و تنجلى تلك المتوازيات عن تناغم تام مع عنوان الرواية (اللعنة) الذي تبدو مناسبته بالإغراق في هذه الإشارات التي تتصل بالمكان أوّلاً وبالشخوص ثانيّاً.

  ويبدو ذلك التّرابط بين شؤم المكان وسوداويّته وما يلحق بشخوصه من أضرار عنصراً مهماً في فلسفة المكان المتصلة بالتراث العربي.

 

  في روايتها الحديثة التي بعنوان ( آدم .... يا سيدي ) تأبى  الكاتبة "أمل شـطا " إلا أن تستثمر المكان كنص مواز، يطل علينا من الغلاف الخارجي للرواية فحسب، ويتمثل ذلك النّصّ الموازي في هذه اللوحة التي يتعانق فيها البر والبحر والجو في ساعة غروب الشمس، ويبدو أن الكاتبة قد اكتفت بهذه اللوحة المفتوحة لتغلق عملها من الداخل.

 يمكن عدّ المكان في رواية ( آدم … ياسيدي ) عنصراً منفياً من بنية الشكل التي قام عليها العمل، حينما تنتشر فيه تلك النبرة الوعظية المتواترة التي ترد أحياناً كثيرة بصوت الراوي، أو صوت أحد شخوص القص.

  ذلك الهاجس الذي قامت عليه رواية ( آدم ...ياسيدي ) قد أسهم بصورة أو بأخرى في تقليص فاعلية المكان الروائي، ومن ثمّ نفيه  ـ إن صح التعبيرـ خارج العمل الروائي ليتقلّص في نص مواز تمثله هذه اللوحة متعددة الأبعاد، التي يجد متلقي النّصّ متعته في تأملها ومحاولة ربطها بالنّصّ الأساسي، كما أن العنوان مفعم بهذه الدلالات الحيوية الجاذبة، وهي التي يبدو فيها غلبة الشخصية و تعالقها مع الراوي، وربما أوحى ذلك بمسار القص بشكل عام الذي يغلّب ذلك الجانب على المكان.

  يظل القص مقتصداً في تناول الأمكنة الروائية، فضلاً عن تناولها بالتفصيلات الداخلية. وتدور حلقة الأمكنة الواردة في عمل روائي كهذا  في إطار الأمكنة الرتيبة إذ يبدو أثرها بالغ الضعف في التحكم بمسار الحدث، ذلك الحدث الذي يعطي عنانه للمصادفات الواحدة تلي الأخرى، إلى جانب انصراف السرد ـ في كثير من الأحيان ـ إلى قص أحداث تبدو علائقها بالمسار الأساسي في العمل واهية تماماً.

 من الأمكنة ذات الأثر الضعيف في العمل البيت والمدرسة اللذان تشير إليهما الرّواية بصورة مقتضبة " ضج البيت بالنّساء، وماج الطريق بالرجال، وغصت القلوب بالأحزان "(20)، كما أن التعبيرات المجازية الكثيرة التي عبرت عن  المكان  توشك أن تعطي دلالة كبيرة على أزمة المكان في العمل بصورة خاصّة، أو على مستوى النتاج الروائي لدينا المكتوب بأقلام نسويّة، ومن هنا آثرنا هذا العمل لتمثيل البعد الثاني من أبعاد المكان في الرواية النّسويّة، وذلك لأهمية هذا البعد في الاتجاه الروائي السائد حالياً.

 

 

 

                          المكان الأسطوريّ

  البعد الثالث الذي تضمنته لوحة المكان المقترحة في الرواية النّسويّة  هو البعد الأسطوري الذي حرصت عليه "رجاء عالم " في عمليها الأخيرين ( طريق الحرير ) و( مسرى يا رقيب)، وإن كان العمل الثاني قد تجلى  مبالغاً في أسطرة الفضاءات المتصلة بالقص.

  يبرز الفضاء الأسطوري ( وادي عبقر )  في ذلك العمل عبر بناء الراوي فيه لذلك الأنموذج الخيالي الصرف، والبعيد عن الفضاءات المحسوسة، هذه الفضاءات التي لا يمكن للفرد إدراكها حسياً. ويتميز ذلك الفضاء الأسطوري في القص بانسجامه وتماسكه بتفعيل آليتين يبدو دورهما الفعال في تشكيل العمل بصورته النهائية ،  وهما العتاقة المرتكزة على الموروث الثقافي، وصلة الفضاء بالإبداع.

  لقد فرضت المرجعية التراثية أبعاداً فيزيائية لوادي عبقر من خلال تلك التناولات العديدة  لهذا المكان في كتب المعاجم العربية المتصلة باللغة والبلدان وغيرها. لكن الراوي في (مسرى يا رقيب ) انطلق من هذه الآلية وانزاح عن هذه الأبعاد الفيزيائية المحددة مرتكزاً على تغليب الجانب الأسطوري، ومفضلا أن يكون ( عبقر ) مركزاً للإبداع الذي لا يتحقق بالاتّباع قدر تحققه بالابتداع، ولذا بنى عالمه الخاص به الذي يخرج من القوانين الفيزيائية  للفضاءات المتعددة ( ليل ، نهار، أرض ، سماء ، شرق، غرب ....) محققاً بذلك تجاوز تلك الثنائيات التي تعتمدها الفضاءات المحسوسة في تجربة تأخذ طابعاً جديداً ومتميزاً بتفعيل علاقاتها المتمايزة: الكونية والبصرية.

 لقد احتلت مساحة نصية تزايدت في النّصّف الأول من النّصّ ، وذلك قبل  انتظار اللحظة المحمومة للانطلاق إذ " هتفت الأميرة بقبائل المخلوقات:  آن الأوان فمن شاء منكم فليلحق بخروجي لطلب عبقر"(21). وكل تلك الوصايا تلزم الأميرة جانب الحذر والحيطة والتوقع والرغبة في الانطلاق من المعلوم إلى المجهول الذي حرصت الوفود على فك طلاسمه فقد " شرحت الطير ما في أممها من آثار عبقر"(22)، والبحر يعلن اعتذاره بقوله  " سيدتي أنا رسول العناصر إليك ، أرفع اعتذارها عن مدك بالخرائط والدروب لمقامنا في وزارة عبقر "(23).

  أما الجهات الثمان فتتعاون مع الأميرة  بقولها " نحن جهات الكون الثمان، وحيثما ضربت يا مولاتي حملناك، فاضربي لسريرتك أو لجهرك أو اصعدي في السماء نحن في كل مكان، فلا تترددي في التيه فما أنت بضالة "(24).

   وبذلك يكون النّصّ قد استكمل أدواته جميعها للدخول إلى الفصل الأخير منه الذي بعنوان ( ق لب ق ) وهو يمثل قاعدة النّصّ وذروته، فالدخول إلى أرض عبقر لا يتم إلا بقدرة إبداعية متقنة تمكن الداخل من القدرة على السرد، وعلى ذلك يكون السرد عن أرض عبقر بالكتابة أو الرسم متداخلاً مع الوشي المتقن الصنع المنسوب إلى عبقر فهو الأقرب إليه والمشابه له.

 إن ( وادي عبقر ) كما تراه معاجم اللغة والأمكنة هو الموضع الذي ينسب إليه العرب كل عبقري، ويقال عنها " أرض كان يسكنها الجن ...وهي موضع بأرض اليمن ، وقيل موضع بنواحي اليمامة "(25) ، أما أصله فهو "صفة لكل ما بولغ في وصفه، وأصله أن "عبقر" بلد يوشى فيه البسط وغيرها  فنسب كل شيء جيد إلى عبقر "(26).

   وقد وردت عبقر في ( طريق الحرير ) غير مرة مقرونة بالخرافة والشعر ليصبح هدفاً لإحدى شخصيات النّصّ، وهو ذلك الأمير الذي يطمح في جمع الشعراء حوله؛ فحين يقول "أنا غايتي وادي عبقر… …..تحلق عجب الرجال حول غايته وخرافتها"(27). وهاهو ذا الأمـير ( الميت ) يفصل رحلته في البحث عن عبقر " لأشهر غبت ورجال إمارتي صوب قلوب الجزيرة، حيث جاءت الآثار بتواري عبقر فيها …..أردت صيده والعودة به، أنصّبه في صحن إمارتي فلا يدخلها إلا رجل مسّه وحيها وقال شعراً، أردت للناس أن تخاطبني شعراً، أردت أن أعبر كل صباح وعشية بين أيدي روائع الجن وخلقهم فتسكنني …ولم أرد لمطبب تطبيبي "(28).

  لقد أصبح هذا الفضاء محركاً للشخصيات للبحث عنه واقتناصه واستثماره. وتسهم التحولات النّصّية في حضور جنيات عبقر إلى تلك الشخصية الباحثة (الأمير ).

  يستحضر ( عبقر ) ذلك الفضاء الأسطوري في النّصّ لإضفاء تلك الصبغة الأسطورية عليه؛ والشخصية الباحثة عنه هي الأنسب في النّصّ بوصفها بين الحياة والموت، إن نعش الأمير الميت مناسب لخوض تجربة التفتيش عن عبقر وهي الشخصية التي تكون في النهاية شجرة الشعراء المتصلة بعبقـر، الشجرة التي تنادي المارة " ومنها خرافة شجرة الجزيرة و التي تنادي المارة، وكل من لحق بها فأوى لجذعها ونام، يصبح شاعراً أو مجنوناً ….لذا غصت الجزيرة بالشعراء المجانين "(29)

 

        نتائج   

  بعد أن عرضنا بإيجاز لأوضاع المكان في الرواية السعودية النّسويّة ممثلة في ثلاثة أبعاد أساسية، وهي إغلاق المكان وذلك هو الغالب على  الأعمال النّسويّة، أو تهميشه ونفيه، وأخيراً تتبدى أسطرته؛ وهو توظيف  نادر وقليل في السرد حيث نجد اتفاق تلك الأمكنة الثلاثة في ملامح منها:

أولاً : تتفق هذه الأعمال الروائية النسوية جميعها في كونها لا تجعل هاجس المكان المحسوس ( الفيزيقي ) في صدارة اهتماماتها عبر انتقاء المواقع المناسبة التي تمكّن من رؤية الزاوية المناسبة التي تسمح بتناول التفصيلات الجزئية والدقيقة، والتدرج في  الرؤى، الأمر الذي لا يتوفر حالياً فيما بين أيدينا من نصوص روائية.

 

ثانياً : يبدو السرد النسوي حاملاً لبذور تلك الجوانب الأمومية في الأدب، خاصة إذا تأملنا اتفاق تلك الأعمال على اختيار هذه الأمكنة المنفصلة عن واقع الحياة المعاصرة ومعطياتها، إذ تتفق  صورة الأمكنة الثلاثة في كونها موازية لصورة (القبر ) الذي يتصل اتصالاً مباشراً بتفاصيل  الأمكنة، فالعودة إلى البعد الأولي والبدئي في المكان يتوازى هنا مع الذوات الفاعلة في تلك الأعمال السردية النّسويّة فالمكان هنا ـ بشتى أبعاده الثلاثة يتخذ بعداً أولياً متلازماً مع الذوات إذ يتجلى القبر كصورة ملائمة ونهائية لتلك الأمكنة بأبعادها الثلاثة السابقة.

 

ثالثاً : تشكل فكرة الطلل القديم مرتكزاً مهماً في توظيف المكان العربي كمكون له انبثاقاته السردية في الأمكنة الثلاثة السابقة. فالمكان هنا  تبدأ وظيفته النّصّية في العمل بذلك التعدد في توظيفه واستثماره "الطلل أشبه الأشياء بفكرة الأم الولود التي ينبثق عنها أبناء كثيرون، فالأبقار والظباء و الظعائن أسرة واحدة .... ويبدو الطلل كأنه منبت ثقافة؛ منبت الوعي وإدراك الماضي في مضيّه واستمراره معاً، منبت الحاجة إلى تثبيت مركز الإنسان عن طريق الكتابة"(30). ولا تعارض بين القبر كمنتهى للمكان والطلل كمنطلق للفكرة نفسها. إن فكرة الطلل القديمة هي إعلان عن موت طرف من اثنين، ويصبح الطلل هو القبر الذي وأد الحبيبة، وأحلام الشاعر وهو ما يتحقق بجلاء ولكن في صورة عكسية في أعمال تجعل من المكان نفياً أو إغلاقاً أو أسطرة.                                    

       

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هوامش

      1.        هند باغفار: رباط الولايا.  ص 161.

      2.        غاستون بشلار: جماليات المكان. ص 39.

      3.        رباط الولايا: ص 39.

      4.        السابق. ص 14.

      5.        نفسه. ص 16.

      6.        ياسين النصير: تصورات نظرية في شعرية المكان. مجلة شؤون أدبية. ربيع 1993 م.

      7.        سيزا قاسم: المكان ودلالاته. مجلة ألف. عدد 6 . 1986م.

      8.        رباط الولايا: ص 22 .

      9.        السابق. ص 16.

   10.     السابق. ص22.

   11.     سلوى دمنهوري: اللعنة ، ص 12، 122، 136 ، 148.

   12.     السابق. ص 14، 15 ، 16.

   13.     السابق. ص 17.

   14.     السابق. ص 23 ، 74 ، 57.

   15.     السابق. ص 47 ، 115 ، 117 ، 103.

   16.     السابق. ص8 ، 10 ، 38 ، 44 ، 61 ، 77.

   17.     السابق. ص 115 ، 119 ، 120.

   18.     غاستون بشلار: جماليات المكان. ص56.

   19.     اللعنة: ص 129.

   20.     أمل شطا: آدم يا سيدي.  ص15.

   21.     رجاء عالم: مسرى يا رقيب. المركز الثقافي. بيروت. 1997م. ص51.

   22.     السابق. ص 39.

   23.     السابق. ص41.

   24.     السابق. ص 44.

   25.     ياقوت الحموي: معجم البلدان. دار صادر. بيروت . ط2 . 1995 م. ج4. ص 131.

   26.     ابن منظور: لسان العرب. مادة ( عبقر ).

   27.     رجاء عالم: طريق الحرير . المركز الثقافي. بيروت. 1995م. ص 154.

   28.     السابق. ص 156.

   29.     السابق. ص 54.

   30.     مصطفى ناصف: قراءة ثانية لشعرنا القديم. دار الأندلس. بيروت.  د.ت. ص 64. 

madwani@hotmail.com

www.m-adwani.8m.com