مسرى يا رقيب*
لمقاربة نص مزدوج ومحكم البناء كنص ( مسرى يا رقيب ) لـ "رجاء عالم " و " شادية عالم " ينبغي أن يأخذ موقعك بعداً ثنائياً حتى توشك أن تلم بأطرافه، ولاسيما إن كان هذا النص ممعناً في الحداثة ومغرقاً في العتاقة في آن، إلى جانب اشتماله على نصين متوازيين يشكلان نسيجه وهيكله، من هنا يأخذ موقعك في التناول تلك المنزلة الخاصة التي لا يمكن أن تجد نفسك فيها إلا مع نص كـ ( مسرى يا رقيب ) إذ ينطلق من عنوانين أحدهما رئيسي والآخر فرعي مكتوب باللون الأحمر (سيرة مسرى جواهر بنت العابد النارية )، لكنهما يبدوان في تواز يوحي بأهمية العنوان الفرعي إزاء العنوان الأصلي كعنوان يقوم على بنية التفسير لسابقه ( مسرى يا رقيب) العنوان الذي حظي بعلاقة تضاد أولية بتفعيل طباعة بارزة باللون الأبيض مع الغلاف الأسود الآني.
لن نتوقف هنا على تلك الدلالات المتصلة بألوان الغلاف الخارجي ناهيك عن ذلك الرسم الإيضاحي الموازي للعنوان الذي كان أشبه بنحت صخري ولا سيما في الجزء التحتي منه، لكننا سنعبر إلى تلك الافتتاحية التي تكمن أهميتها أولاً في كونها رسمت هيكلية مبسطة للنص، عبر تحديدها للبنية السردية له المتضمنة للفاعل والموضوع وأغلب المساعدين والمعارضين، وثانياً في أنها علقت النص بنص سابق له، وهذا ما سنحاول هنا أن نتتبعه.
في افتتاحية النص يرد عنوان كتاب " القزويني " ( عجائب الموجودات وغرائب المخلوقات ) فالنص ( مسجل في محكمة مولانا القزويني قاضي عجائب المخلوقات باسم مسرى يا رقيب) وفي هذا التعليق النصّي يمكن وسم العلاقة بينهما بعلاقة التناصية الجامعة Hypertextuality وهي تلك العلاقة التي تصل بين نص أدبي لاحق ونص أدبي سابق، وهما يلتصقان ببعضهما في جوانب وصفية أو فكرية، وقد تم ذلك التعالق بينهما بتفعيل عملية تحويلية غير مباشرة، تم فيها استثمار البعد الأشمل الذي تمحور حوله كتاب القزويني، وهو البعد العجائبي الذي وصفه القزويني في مقدمــته الأولــــى "العجب حيرة تعرض للإنسان لقصوره عن معرفة سبب الشيء أو عن معرفة كيفية تأثيره فيه"(1)، وفي معنى الغريب يقول القزويني " الغريب كل أمر عجيب قليل الوقوع مخالف للعادات المعهودة والمشاهدات المألوفة، وذلك إما من تأثير نفوس قوية أو تأثير أمور فلكية أو أجرام عنصرية، كل ذلك بقدرة الله تعالى"(2).
ولنا أن نتوقف مع تعريف حديث للأدب العجائبي الذي ينطلق من ذلك، فهو شكل من أشكال القص يحدث ذلك التردد الذي يحسه كائن لا يعرف غير القوانين الطبيعية فيما هو يواجه حدثاً فوق طبيعي، ويحيلنا ذلك التعريف بدوره إلى تلك القيود الثلاثة التي تبناها (تودوروف) ليتمكن من تعريف (الأدب العجائبي) " لا بد أن يحمل النص القارئ على اعتبار عالم الشخوص كعالم أشخاص أحياء، وعلى التردد بين تفسير طبيعي وتفسير فوق طبيعي للأحداث المروية، ثم قد يكون هذا التردد محسوساً بالتساوي من طرف شخصية؛ على ذلك يكون دور القارئ مفوضاً إلى شخصية وفي نفس الوقت يوجد التردد ممثلاً، حيث يصير واحدة من موضوعات الأثر"(3).
ولا ريب أن كتب السرد العربي القديم تحمل ذلك البعد العجائبي خاصة تلك الأشكال المنبثقة من أصول شفاهية، كألف ليلة وليلة، والسير الشعبية التي ترسم النص خطاها انطلاقاً من العنوان، ليبدو العنوان الفرعي ( سيرة مسرى جواهر بنت العابد النارية ) أشبه بعناوين تلك السير الشعبية سيرة عنترة بن شداد، وسيرة سيف بن ذي يزن، وسيرة بني هلال، وسيرة الأميرة ذات الهمة. لكن تلك السير المتبنية لهموم العامة ورؤاهم ومخيالهم الجمعي تفارق نص مسرى يا رقيب كونه يتبنى رؤية تعتمد على منطلقات فكريّة مختلفة، تحمل خلاصة تجربة إبداعية مميزة للكون والحياة.
من هنا كان هذا البعد العجائبي سمة نصيّة لـ ( مسرى يا رقيب ) يلمسها المتلقي لأول وهلة بتفعيل تلك الإشارات النصية "وظهر الخازن في الكتابة وقد عششت في شقه الأيسر هامة ناشرة شعرها تصيح بألف غراب مسودة الأظلاف بالعقارب" ص 29 " ثم اندكت الأرض لدخول وفد الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، فقد جاءت لصرح الأميرة هامات ومنحدرات ومغاور وعلى رأسها ملكها أبو قبيس ممثلاً لأمم الجبال " ص 39، وتزداد تلك السمة كثافة في النص مع انبثاقاتها المختلفة انطلاقاً من التحولات العجائبية المتواترة التي اتخذت طابع الإغراق في النص وأعلن النص عن تكرارها في أكثر من موقع "شهقت البنات وانخطف قلب الأميرة لبرقة شقت صدرها من الكلمة، وفي لمحة انقلبت الكلمة جنية صغيرة بحجم دبوس "ص24.
إلى جانب ذلك تتعدى تلك التحولات مستوى الأحداث السردية وتجتازها إلى الشخصية الرئيسة في النص فالأميرة ما هي إلا جواهر، وجواهر هي جوهرة واحدة في الأصل خضعت لمنطق التحولات " وفي كوكبة من نسل العابد المحارب ولدت جوهرة، ما أن مسّت النور حتى تكسرت وتناسخت سبع جواهر في تاج الأمير، كل جوهرة طرحت ألفاً من عيون الجواهر وحفت بالقبيلة فأطلقوا عليها وصف جواهر"ص17.
كما أن النص اعتمد بطريقة متواترة عل توظيف تلك الأرقام الأسطورية كالرقم ( ألف ) الذي يأخذ بعداً فردوسياً، ويرمز إلى خلود السعادة (4) والرقـــم (سبعة ) الذي يرمز إلى الكمال، وكلا الرقمين يتخذان جانب الغلبة والتمام في الأشياء، ولذا يتم استثمارهما نصياً بتلك الطريقة ولا سيما إذا كرر العد وتواتر ذلك: ( ألف ألف ) ( ألف ألف ألف ) ولا شك أن هذه الصيغ الألفية صيغ تأخذ شرعيتها بانبثاقها المتواتر من صميم الثقافة الإسلامية.
أما الرقم ( سبعة ) فيتكرر بشكل متواتر وتزيد نسبة التكرار في بعض المساحات النصية الممعنة في الأسطرة متضافراً مع الرقم ( ألف ) "أما الفيل فيسيح في الجفاف سبعة أيام ثم ينفق وتطلع من جلده أصناف العنبر فيجيء القناصة فيسلخون سبع طبقات من العنبر حتى لا يبقى من الفيل إلا هيكل من ملح يذوب بلعق البحر "ص 23. لكن هذا الرقم يأخذ طابعاً شمولياً في النص حين يبنى النص على سبعة فصول تمنح التعالق مع القزويني منحى شكلياً آخر وذلك في عنونة الفصول التي جاءت على الترتيب التالي:
فصل ما كان من الصرح، فصل لما أرسلت العيون، فصل ما كان من العدة، ما كان من الأبيض والأسود، باب ما جاء من الوفود، باب الخروج، ق لب ق.
ويلحظ التدرج في استعمال كلمة ( فصل ) ثم تلاشي الكلمة في الفصل الرابع، في حين استمرت آلية استخدام الماضي المسبوق بـ (ما) في الفصول الخمسة الأولى، ومن ثم اختفاء تلك الآلية التي بني عليها السرد، كما أنها تقسم النص إلى مسارين كبيرين أحدهما يتصل بالاستعداد للخروج إلى عبقر، والثاني بالخروج إلى عبقر، وكما نلحظ في تلك العناوين الفصلية الخمسة الأولى اعتمادها التام على قالب العنونة في الموروث الثقافي وذلك تم انطلاقاً من قيام بنيات الفصول الداخلية على حلقات سردية موروثة، في حين كان الفصل الأخير الذي يحكي مغامرة الأميرة في أرض عبقر مبنياً على تكثيف المتخيل المدعم بأربع لوحات من أصل عشر (حجر البازهر ـ عباءة الأميرة ـ أشجار العشر ـ خيال ملوك ق ).
وتتضافر أسطرة المكان مع ذلك البعد العجائبي ليبدو تشكيل النص كبنية تعتمد على هذين الإطارين من خلال جعل ( وادي عبقر) غاية تسعى إليها الأميرة جواهر بنت العابد النارية ( وكانت الأميرة تتطلب حملة الرؤى لضمهم لكشف السبل لوادي عبقر)، إنه الموضوع الذي يرغب الفاعل في تحقيقه ولذا يتكرر المكان الأسطوري منذ بداية النص ما يزيد على خمس وأربعين مرة، إلى جانب تخصيص الجزء الأكبر من نهاية النص لتلك الأحداث المتخيلة الدائرة عليه، ذلك المكان الذي قيل فيه في اللسان لابن منظور " كلما رأوا شيئاً فائقاً غريباً مما يصعب عمله ويدقّ، أو شيئاً عظيماً في نفسه نسبوه إليه فقالوا: عبقري، وعبقر قرية في اليمن توشى فيها الثياب والبسط، فثيابها أجود الثياب فصارت مثلاً لكل منسوب إلى شيء رفيع، فكلما بالغوا في نعت شيء متناه نسبوه إليه "، أو هي " أرض كان يسكنها الجن " "عبقر من أرض اليمن موضع بالجزيرة كان يصنع فيه الوشي "(5). فالمكان الذي اختير موضوعاً للسرد يشتق أسطوريته من الجهل به، وعدم التغلغل في ذاته من جانب، و دقة ما ينتج عنه من جانب آخر، فحين تتعدد الآراء في تحديد موقعه وطرق الوصول إليه، تجمع في الآن نفسه على دقة منتجه وإحكام صنعه، ولا غرو فقد ربط الإبداع بالعبقرية نتيجة الدقة والإحكام في الصنع.
ومن هنا بدأ النص يمعن في التقاط هاتين الإشارتين النصيّتين من الموروث ليحولهما إلى موضوع سردي، ويبني عليهما تقنياته المتعددة، وقد أشرنا إلى ذلك انطلاقاً من آلية العنونة في فصول النص.
تبدأ رحلة الأميرة جواهر إلى وادي عبقر مواحهة الصعاب في التعرف على الموقع أولاً، ومن ثمّ الوصول إليه والتعرف على أسراره، ولا يتم ذلك إلا بمساندين أسطوريين يأخذان صفة التضاد وهما (الأبيض والأسود ) طائران متوازيان (توأم الطير المكي ) " لا الأسود أيسر ولا الأبيض يمّن لم يبدل الطيران مواقعما في دهر ، فكان الواحد منهما يطير للمطاف ويعود لموقعه "ص11، كما أن توظيف الكائنات الأسطورية كالسمندل الطائر الذي وصف بأنه يدخل النار ولا يحترق، وطائر الرخ الذي يعيش في جزائر بحر الصين ــ كما ذكر الجاحظ في كتابه ( الحيوان ) والدميري في كتابه (حياة الحيوان الكبرى ) ـ سمة نصية تتجلى في كتابات " رجاء عالم" منذ مجموعتها القصصية ( نهر الحيوان ) ومروراً بـ (طريق الحرير ) وأخيراً في نص (مسرى يا رقيب).
تحت عنوان ( باب ما جاء في الوفود ) يأتي وفد طير الرخ، والعنقاء والهدهد والجبال والأفعى والسباع والصحاري والليل والنهار والجهات الثمان والخطاط التركي والرجل الأشعث الأغبر، يأتي كل هؤلاء ليقوموا بدور المساعد في الوصول إلى الموضوع، وتكمن أهمية كل منهم على حدة في تلك الوصايا والنصائح التي يقدمها للفاعل.
إن محاولة أسطرة المكان في النص وتوظيف ذلك في رسم لوحة لـ(عبقر ) طريقة اختلف فيها النسج وطريقته وأدواته اعتماداً على نوع النصوص المستثمرة من نصوص متنوعة المشارب كالديني، والأسطوري، ويتم ذلك باختيار تلك الملامح الموروثة التي تصب في إطار بلورة حكائية ملائمة لموضوع النص.
كمــا أن تحول النص إلى استثمار الحرف ( ق ) المتوضّع في بعدين متوازيين ضمن كلمتي ( رقيب ) وكلمة (عبقر ) إذ يبدو البعد الأول كبعد شكلي في حين يعطي البعد الآخر دلالات منبثقة من الإشارة إلى ملوك ( ق) وعروش ( ق) قد أعطى ميزة ذلك الملمح التحويلي للموروث، ولذا جاء العنوان الفصلي المزدوج القاف " قاف مذكور في القرآن ذهب المفسرون إلى أنه الجبل المحيط بالأرض، قالوا : هو من زبرجدة خضراء وإن خضرة السماء من خضرته، وزعم بعضهم أن وراءه عوالم وخلائق لا يعلمها إلا الله "(6).
ويتكرر ذلك عند القزويني " إنه جبل محيط بالدنيا وهو من زبرجدة خضراء منه خضرة السموات ووراءه عالم وخلائق لا يعلمهم إلا الله تعالى "(7)، ليأتي ذلك التوظيف النصي متشابكاً ومتدافعاً بتفعيل رؤية تراثية يحوّلها النص في الفصل الأخير منه إلى قالب طقوسي بصورة مكثفة.
إن الكتابة بهذه الطريقة تؤكد على ذلك البعد التراثي الضارب بجذوره في أعماق الكتابة القديمة في شتى صورها السائد منها والمهمّش.
لقد تجاوز نص ( مسرى يا رقيب ) العتاقة إلى آفاق تحديثية عبر موضعته في الأدبين المحلي والعربي، ولنأخذ جانبين تحديثيين بني عليهما النص كقاعدتين: إحداهما تتصل بالتشكيل البصري المنطلق من توظيف الرسم التشكيلي في النص، ومحاولة التمازج وتوظيف فراغات البياض وهي عناصر أفادت في تحديث بنى النص وآلياته، فقد بلغت اللوحات الموازية عشر لوحات اتخذت طابع التوازي عبر محاولتها الانخراط داخل بعد تفسيري آني للنص، ولذا انطلقت مسميات هذه اللوحات العشر موازية للكتابة: الصرح، التوأم، ملك الوحش، خارطة الرمل، حجر البازهر، عباءة الأميرة، أشجار العشر، خيال ملوك ق، وعلى الغلاف الأخير لوحة الزقورة.
هذه اللوحات العشر تتبنى ملمحاً مميزاً في النص لتقوم باقتناصه ومن ثم إخراجه إلى المتلقي بعد كبح شحنات الخيال المتدفقة في النص، لكن تلك الرسوم حين تكبح اللغة تفتح إمكانية خلق رؤية تخييلية أخرى نابعة من لقاء العين والرسم بعد هجرها المؤقت للحرف، فـيتنقل متلقي (مسرى يا رقيب) بين أداتين تعبيريتين تسمح المسافة بينهما بإيجاد شحنات من التأويل النصي المرافق للنص، الذي اتخذ مساراً آخر في طرق استثمار تقنيات الكتابة الحديثة، فبعد أن كان الاستثمار مباشراً في السابق لدى الكاتبة كما في نصها ( طريق الحرير )، نجدها تنهج مسلكاً آخر شديد التعقيد في تلك التقنية، وذلك بتشكيل وصياغة مسرى الأميرة جواهر بنت العابد النارية في الكلمة المكتوبة ( رقيب) تلك الكلمة الموضوعة في سياق دعائي (يا رقيب ) إذ تلهج بها كل الكائنات أثناء تسبيحها لله تعالى، وكأن ذلك إشارة يمكن أخذها في الاعتبار بأن الرحلة هي رحلة نصية في أصلها، تتوسل إلى الحرف كشكل كتابي، نرى ذلك جلياً من خلال تلك المحطات النصية الموزعة من بداية النص إلى نهايته " نهضت الأميرة وغاصت في مياه الكتاب وطلعت بعزائمه الفتاكة "ص 32 " وفي محطة كانت تستريح بظلة ق من يا رقيب " ص 68، وفي نهاية النص "بلغت الأميرة حطي كلمن، فكانت تتهجى أحرف الخيط " ص89، ولذا نجد التصريح بتلك الرحلة يأخذ بعداً أكبر بتحديد إطار الحكي، يتمظهر ذلك التصريح في أكثر من موضع في النص " إن مولاتي تمضي في المسالك والممالك للاسترواح في نقطة ب من يا رقيب "ص102، " وكانت الحكاية تدور بمعمار من روح معمار ق القائم على الدوران حول النقطة، فدارت فيها الأحرف والحجارة والمياه والريح والنيران وكل ما ليس له روح يدور في فلكها "ص 104.
وهناك مظاهر أخرى استثمرت فيها الكتابة الحديثة كمظهر توظيف الفراغ في النص، إذ وظف هذا الشكل الكتابي بالطريقة المناسبة في باب ما جاء في الوفود حين تم الفصل بين الداخلين إلى قصر الأميرة بفراغ يعادل سطرين، وذلك مناسب تماماً لتلك المسافات الزمنية الفاصلة بين وفد وآخر. ومنها أيضاً مظهر تغيير حجم الكتابة أثناء الطباعة كما ورد في بعض النصوص القرآنية.
أما الملمح الآخر الذي يعد أكثر حداثة فهو ملمح التجاوز للجنس الأدبي، فمن اللافت أن نجد نصوص " رجاء عالم " الأخيرة قد كسرت قيود الأجناسية الأدبية وشقت طريقاً جديداً لها في الأدب المحلي انطلاقاً من ( نهر الحيوان) ومروراً بـ ( طريق الحرير ) وانتهاء بـ (مسرى يا رقيب ) وكأنها تؤسس بذلك لنوع آخر من الكتابة المستقلة التي لا تندرج تحت جنس معيّن، ولذا فإنه يمكن عد هذه الكتابة كتابة متحررة من أسر القيود المفروضة على كافة مستويات الكتابة ابتداء من المفردة وانتهاء بقوانين الأجناسية الأدبية ولاسيما أنها كتابة أنثوية تؤسس لحكاية الأنثى الأميرة جواهر التي كان أغلب المساعدين الإنسيين لها من النساء كالماشطة عنبرة وخيّاطة القصر، فيما يبدو دور الأمير ـ على سبيل المثال ـ آخذاً في التضاؤل.
ولذلك كلـه كان من الأجدى لقارئ ( مسرى يا رقيب ) أن يتناوله بوصفه ( نصاً) ولا يقيده بجنس أدبي كالرواية التي تمنح قارئها فرصة التلقي المباشر، أما النص فهو بلا شك لا يمنحنا فرصة التعرف المباشر عليه كالعمل الأدبي الذي تقوم عليه طريقتنا في القراءة " النص أشبه بالاحتفال اللغوي الذي تكون اللغة أثناءه في إجازة من أعبائها العادية اليومية، ويؤدي عمل الكاتب اللغوي إلى إنتاج مشهد لغوي ويطلب من خلال اللغة، والنص يأتي في الواقع من مصاحبة الدوال ومن ترك المدلولات لتتدبر أمرها؛ إنه شعر النثر "(8).
إن النص انطلاقاً من ذلك يبدو متعباً لنا، وربما نسارع في إشارات عاجلة إلى وصفه بأنه ممل، ربما كانت هذه ميزة القارئ المجّاني، وهو القارئ الذي لا يكلف نفسه عناء البحث والتتبع لنتوءات النص ومرجعياته، ومن ثمّ تصبح القراءة عجزاً عن مجاراة النص، بينما تصبح المقاربة له أمراً مستحيلاً.
إن المسار السردي الذي ارتكز عليه هذا النص يعتمد مرجعية تراثية قد أحكم تكثيفها، ومن ثم تم تحويلها في إطار ذلك المسار بإتقان ودربة لا يتوفران إلا لمن كان له ذلك الالتصاق الشديد بالتراث والتماهي معه، ومن ثم القدرة على بلورة ذلك في قالب يمعن في الأخذ بأسباب التحديث، وكل ذلك يجعل مهمة القارئ الحقيقية لا تنتهي بانتهاء القراءة بل تبدأ مع انتهائها.
هوامش
* نص سردي لرجاء عالم وشادية عالم صدر عام 1997م.
1. زكريا القزويني: عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات .دار الشرق العربي .حلب .ص 10.
2. السابق: ص15.
3. تودوروف : مدخل إلى الأدب العجائبي . ترجمة الصديق بوعلام .دار شرقيات .القاهرة . 1994م .ص 49.
4. جان صدقة: معجم الأعداد .مكتبة لبنان . بيروت .ط1. 1994م.مادة ( ألف ).
5. ياقوت الحموي : معجم البلدان.
6. السابق . مادة قاف.
7. القزويني : عجائب المخلوقات .ص158.
جون ستروك: البنيوية وما بعدها . ترجمة محمد عصفور .عالم المعرفة .ص 97