Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

الحرية في جبل من نعم

ALadwani

الحرية في جبل من ( نعم )

معجب العدواني

  حينما كتب عباس محمود العقاد مقدمة الكتاب النقدي ( الغربال ) للشاعر المهجري ميخائيل نعيمة مشيراً إلى الحرية التي ينهل منها المهجريون " إن بين أيدينا الآن لهدية من أنفس هدايا تلك الحرية المباركة، وروحاً من الحياة تهب على مقاييسنا البالية ، فلنفهمها مخلصين ، ولنتقبلها شاكرين متعجبين"  فإنه كان يؤكد فيها على ثمار الحرية الممنوحة للمهجريين واستثمارهم لها في الإنتاج الإبداعي ، وعبر تلك العلاقة كان للمنتج الإبداعي أن ينطلق من هذه العلاقة،متمثلاً لها ، ومستوعباً لغاياتها.

   ربما كانت هذه المقدمة الموجزة السبيل الأنسب إلى الولوج إلى قراءة ـ أولى ـ لكتاب ( وللرماد نهاراته) للشاعر سعد الحميدين الصادر عن دار الانتشار العربي ببيروت  2000م، وذلك لسببين اثنين: أولهما هو تلك النزعة العامة إلى تبني ( ثيمة ) الحرية أو مساءلة مفهومها في نصوص الكتاب الشعرية في إطار خلق الفضاء الخاص بكل نص بعيداً عن تأثيرات القوالب الجاهزة المعروفة، وثانيها هو اختيار الشاعر لنصه الذي بعنوان ( قاب قرنين) ليوقع إهداءه  الذي ارتسم في مطلع النص إلى روح الشاعرين ميخائيل نعيمة وخليل حاوي .

   ولن يغيب عنا أن كلا الشاعرين ـ نعيمة وحاوي ـ قد نجحا في غرسهما لشجرة الحرية في منتجهما الأدبي ، وإذا كانت الحرية لا تنمو إلا بدماء الطغاة ـ كما يشير الفيلسوف الألماني  (نيتشه ) ـ فإن الشاعرين قد حرصا على إروائها من دما ئهما، ولعلنا نتذكر حادثة انتحار الشاعر اللبناني خليل حاوي عند دخول الجيش الإسرائيلي إلى مدينة بيروت ، ولذلك كان الأديب العربي عباس العقاد حريصاً على إظهار قيمة الحرية وأثرها بوصفها المناخ الملائم لنمو النص الأدبي وتطوره ، وهو الأمر الذي لاحظه وكشف عنه حين كتابته عن أدب ميخائيل نعيمة في إحدى مقدمات كتبه.

   ومادام الأمر كذلك فلا بأس من الاسترشاد بما ضمنه الحميدين نصه الذي بعنوان ( قاب قرنين) أحد النصوص التي تضمنها الديوان عندما كتب في إحدى لوحات النص :

   خطوات خطوات على سجادة وكر الحرية

 

    عبر هذا وذاك تتنامى لدى هذه القراءة مشروعية الاختيار النصي في صورتها العامة أم الثيمي في ملمحه الخاص ، ولذا كان اختيار النص المهدى إلى روح الشاعرين السابقين ، حيث  يحمل إشكاله في نصه الفرعي الموازي ( قاب قرنين) ، هذا العنوان يتصل استهلالاً مع حمل بذرة الاختلاف وعدم الموافقة ، فالتحويل من المكاني المألوف والمعتاد ( قاب قوسين ) إلى الزماني المخالف والمناهض ( قاب قرنين ) تحويل يتوازى مع العنوان الرئيس المعتمد على زمن يضاف إلى ما تخلفه النار من بقايا ( الرماد ).

  إن هذا العنوان الرئيس قد ولد العنوان الجديد ( قاب قرنين ) ، ما يحيل إلى الشعور بالخيبة فمفردة قاب التي يراها أغلب المعجميين مفردة مكانية تتصل بالقرب والمسافة بين المقبض والسية كما يشير اللسان، تتحول هنا إلى مفردة ذات بعد زمني بارتكازها إلى ( قرنين ) زمنيين.

    وبين قاب قرنين ورمادات النهار انعكاسات تتزايد من عدم الرضا إلى  الإحساس بالخيبة ، حيث لم يسهم الزمن فيها بتحويل ملامحنا ، وما يلبث الشاعر الحديث أن يسعى إلى أن يكشف عن ذلك الشعور عبر استحضار رسمين لشاعرين عربيين ، بينما يحضر  الشاعر نفسه بوصفه متصلاً بالنتاج الشعري العربي، وبوصفه امتداداً طبيعيا لمحاولات الإصلاح التي سعى إليها شاعران قبله.

  يتم استهلال هذا الحضور بإهداء يوحي بشعراء ثلاثة يربط بينهم حب المكان ورغبة في تغيير وضع سائد إلى آخر يتراءى بصورة أفضل ، إنه سعي إلى اليوتوبيا يفرضه تشكيل الكلمة التي راوحت بين سطور هؤلاء الشعراء الثلاثة وجمعتها همومهم و آمالهم وتطلعاتهم.

   وبالعود إلى النص الشعري ( قاب قرنين ) نجد النص  قد تكون في ثلاث لوحات ، وهي لوحات تغري بربط كل لوحة بنتاج شاعر من هؤلاء ، لكن الشاعر حين اختار أن تتخلق هذه  اللوحات بأسماء تعتمد الترتيب الرئيس للأعداد ، فبدا النص موزعاً إلى ثلاث لوحات: لوحة أولى وثانية وثالثة. غير أن هذا الاعتماد على الشعراء كذوات في تأويل اللوحات يتعارض مع إمكان الاعتماد على تقسيم آخر يجمع ثلاثية الذات والمكان وحركية الفعل، وهو التقسيم الذي يكشف عن قراءة أدق للنص السابق:

اللوحة الأولى : لوحة تمهيدية تحكمها ذاتية تتحكم في وضع المتكلم موقع الغائب ، وتستهل بإطلالة نصية :

اقرأ بكل تمعن من تحت إبط الحرف فاتحة السؤال..

واسأل عن الماضي المؤطر في تجاويف المسطر …

….

قل ولا تقل …

 

    إن هذه الصيغ الإنشائية تشكل البناء التمهيدي للنص الذي يرمي إلى وصل للذات الحاضرة التي تخضع لمفاهيم ذوات أخرى ، ليندرج هذا الإشكال في إطار العلاقة بين الإنسان و عوالم تتصل بموروثه، إنها العلاقة التي تكاد تكون مقطوعة ، فهي  أقرب إلى صورة يبتدعها الشاعر ويختارها لترد في اللوحة نفسها :

والقول مقطوع كما الحبل الملفق من حثال الليف في

 حفر من الأطيان والوحل المروب تحت أقدام الحفاة ( ص 62)

تضم هذه اللوحة صوراً مختلفة لذوات توشك أن تعيش العصر بكافة تجلياته ، وأخرى توقف نمو الحركة التي تتماس من أجل هذا العيش.

تعيش هذه الذات الشاعرة أزمتها المختلفة ، إنها الأزمة الناتجة من صراع بين طرفي ثنائية الرفض والقبول ، ولكن ما يميز هذه الذات الشاعرة هو كونها جاءت متماهية مع من حاولت أن تنكر عليهم من الذين صاغوا :

أقاويل الذين مضوا بركب الوقت

خلف حادي الوهم آمادا ً بعيدة

 ولذا ارتكز جانب السؤال في اللوحة قبل التركيز على جوانب الإجابة التي شكلتها عناصر لوحة شعرية أخرى.

  تقترب اللوحة الأولى في النص من الشكل الأولي المهتم بعرض تمهيدي لهذه المواقف المتضادة قبل الانتقال النصي في لوحته الثانية.

وما بين الاستهلالين للوحتين يتشكل الهاجس النصي ـ إن صح التعبير ـ ذلك الهاجس الذي يتضام مع النصوص الموازية الأولى المتمثلة في نص مواز أولي هو العنوان ( قاب قرنين ) ونص  مواز تال يتمثل في إهداء إلى الشاعرين اللذين كانا يهجسان بالهم ذاته والأمل نفسه.

   ومن هنا نعود إلى إشكال الذات الشاعرة المهمومة بعلاقات التناقض والتكامل بين طرفي ثنائية الرفض والقبول وذلك للموقع الذي تحدده الذات الشاعرة بين الذوات أخرى، ويتعاظم هذا الإشكال إذا كانت الذوات المجانبة ذوات شاعرة تتبنى الشعر وتعيش الحلم ( نعيمة ، حاوي ، الحميدين)، وعبر هذا التأسيس المباشر للنص في لوحته الأولى يحيلنا إلى بعد أكثر ملامسة لهم هؤلاء الشعراء وهو الذي ترسمه اللوحة التالية.

ويفترض ذلك تنامياً رأسياً ينتقل من مسألة الذوات الثلاث التي عرضنا لها إلى مسألة أكثر إلحاحاً تتجلى في النص وهي الثقافة التي ولدت فيها نصوص أولئك الشعراء  في لوحة تتصل بالأمكنة والثقافات الشعبية التي ترد في لوحة ثانية، ويمكن إطلاق صفة المكانية على هذه اللوحة.

   وتحظى مدينة بيروت بوصفها مجمعاً للخيوط الثلاثة التي ربطت بين الشعراء ، فميخائيل نعيمة الشاعر المهجري عاش مطلع حياته وخريفها في لبنان بعد رحلة طويلة مع المهجر ، والشاعر اللبناني خليل حاوي عاش في بيروت ومات فيها ومن أجلها، أما الحميدين فقد كانت بيروت خاتمة الإشارة النصية الموازية في آخر النص التي حدد بها اسم المكان وزمانه.

   ولما كانت بيروت هي الجامع الذي جمع الشعراء الثلاثة في الثقافة والسعي إلى الحرية والارتهان إلى موروث هذه المدينة الأسطوري والشعبي فقد حظيت المدينة بوصفها كذلك على اللوحة الثانية من النص .

  إن هذه اللوحة ترسم ملامح بيروتية خالصة فيها الغابة وأشجار الأرز وتفاصيل مكانية دقيقة فبيروت تفاحة شرقية لا يلتهمها الناس ولكنها تحملهم ، هي الإلهام كما يعبر بذلك هذا المقطع الذي يضم الإشارة السابقة :

بيروت ياتفاحة في فيك ألوية من الأحباب

أسراب من العشاق

في سبورة من وجهك المبتسم اللمحات كم سطراً تجند

نقي وصفي من حروف الأبجدية ( ص 63)

 

ومن الملاحظ خلو هذه اللوحة من التعبير الإنشائي فاللوحة الشعرية هنا أقرب إلى أن تكون وصفاً منها إلى أن تكون مجالاً للصراع أو لإثارة السؤال، بينما تزداد حدة الأسئلة المنظومة في لوحة أولى لتتمخض عن إجابات في اللوحة الثالثة ، ولكن هذه الإجابات لم يعقبها سكون من الصمت بل أعقبها صخب معرفي يتجلى في نقد الإجابة بين ( لا ) و( نعم ).

  بعد ورود لوحتين شعريتين ؛ رسمت الأولى منهما الذات الشاعرة ورسمت الثانية تفاصيل المكان  كان من الملائم أن نطلق على هذه اللوحة الثالثة التي جاءت متأخرة ( لوحة حركية الفعل ) وهي لوحة تتقمص وتسعى إلى تحديد نوعية الفعل الذي يعقب الأسئلة فالإجابتان القصيرتان وغلبة أحدهما على الآخر تمثلان  تعبيراً عن واقع خلق الجمود و روج له .

تتضاءل حركية الإجابة ( لا ) لتتخلق في موقعها حركية من ( نعم ) التي تتضخم بين وقت وآخر لتصبح جبلاً ضخماً لا يقوى على حمله قائلوه :

قافلة من الأنعام تثغو تبدل كل لاءات بكوم من نعم

دارت كما الحلقات تثقب في الهواء وعبر موجات الأثير

تتضخم هذه الــ ( نعم )  لتصبح جبلاً شكلياً يرتسم من المفردة ذاتها في فضاء النص إشارة إلى تضخمها في وعي العربي وتضاؤل ما يمكن استثماره من  ( لا).

ثم يجسد الشاعر هذه ( نعم ) التي كانت العبء الأكبر على قائليها في صورة أخرى غير صورة الجبل الشكلية الواردة في النص وهي الصورة التي تجر في أعقابها مزيد من الصمت والسكون والدعة ما يشير إلى تآلف هذه النزعة مع جمود الحركة وصمتها المخيب :

لكنما نعم تخب  تخب  تخب في خدر يعب في الصمت

المعلب

يعلك التاريخ يلفظه كما عقب السيجارة في منافظ القرن

المسجى عند نافذة جديدة

  إن الحرية التي يسعى النص إلى الإحاطة بها حرية ارتبطت بجوانب مكونة لها ، ارتبطت بذات تعددت علاقاتها مع تجارب سابقة من الشعر ، ومكان يعد الأنموذج الأصلح بوصفه يوتوبيا الشاعر لممارسة هذه الشعيرة، وفعل نقدي يعكس كل سلبيات ( نعم) ويضخم إبجابيات (لا) ، وعنوان يعبر عن تجربة زمنية طويلة لم تنجح في استيعاب مفهوم الحرية  أو السعي إلى استرداد ما فقد منها .

madwani@hotmail.com

www.m-adwani.8m.com