Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

جدارية تتبنى الموت وتسأل الصمت

ALadwani

جدارية تتبنى الموت وتسأل الصمت

معجب العدواني

  أطلق محمود درويش على نصه الأخير 1999م ( جدارية ) وهو إطلاق لا يمكن عده انزياحاً جديداً  يختلف عن تجربة الموروث، ولكنه يتوافق في جوانب مع تجربة الشعراء العرب القديمة والحديثة ، في إطار من التوهج اللغوي المكثف ، وهو ما يرمي إليه درويش بتجسيد العمل الشعري ونسبته إلى الجدار بعد أن كانت الجدارية تتخذ صفة أخرى إذ ينسب قديماً إلى عوامل من بينها تعليقه على جدار ، جدار يحظى بالقداسة، وله أبعاده وتأثيراته لدى المتلقي ( حائط الكعبة ) ، لذلك كان يسمى ( معلقة ) وجمعه (معلقات )، فهل نحن أمام جدارية سيتبعها جداريات شعرية عربية؟.

حين ألف الباقلاني كتابه عن إعجاز القرآن احتاج أن يضع المعلقة في وضع تقابلي ليحدد مزايا القرآن الكريم ، كان ذلك في أولى مراحل تحديد الإعجاز القرآني. وقد اختار الباقلاني معلقة امرئ القيس بانياً رؤيته حول أهمية التناول لتلك المعلقة بوصفها ( أم المعلقات) وهو الأمر الذي أشار إليه صاحب خزانة الأدب بقوله " كثيراً ما ترى العرب الشاعر مضمناً قصيدته إعجاز معلقة امرئ القيس "( ج1، ص 36، تحقيق عصام شيغو، بيروت 87،ط1). لذا كان إعجاز المعلقة الشعرية بدء انبناء مرحلي لنصوص سارت في الاتجاه نفسه حملت هذا الاسم ، وتنوعت في خلق اتجاهاتها في الأشكال والمضامين.

 تنبثق هنا إشكالية السؤال ، وأهمية المعالجة لنص أعده درويش نفسه ليكون بناءاً مشيداً جديداً، يحمل من صيغ البناء كثيراً من هندسته الخارجية ولذا فإن ذلك ربما عنى أمرين : فربما زاد هذا من  خلق صعوبات على النقد الذي يتوسل إلى تجاوزه مالم يحمل نفس الأدوات والآليات النصية، وربما أكد ذلك على صعوبة التجاوز الشعري لنص شعري يؤكد على وضع نفسه بصورة تختلف عن غيرها، ويصنع عنوانه المنحوت ( جدارية).

 عبر هذا وذاك كانت المقاربة التي تتوسل إلى عقد تلك المقارنة بين نص وناص وهي مقارنة تفترض وضع النص والناص  على زوايا متقاربة ترتهن إلى جوانب متداخلة نصياً ، وتحاول هذه القراءة إلى الكشف عن تلك الجوانب ، وهي:

      ·             سؤال الاسم واقتراح اسم الاسم

      ·             توازي البدايات و النهايات

      ·             الناص و النص في إطار الجدارية

 

 كان على درويش أن يلغي اسمه بوصفه مؤلفاً للعمل من غلاف الكتاب ، وبوصفه شكلاً ظاهرياً يتصل بالعنوان بعد فراغات محددة، ليلحق الاسم بأحرف طباعية بارزة مع العنوان الأولي  المقترح ، ومن هنا تبدو الصورة النهائية ( جدارية محمود درويش).

يكون هذا البناء الجديد للعنوان ملغياً للتشكيلة الرئيسة للعناوين المعتادة، و يسهم هذا في إلغاء مختلف للعنوان المفترض للنص الشعري ومن ثمّ يسهل إلحاقه بالنص القديم. ويعود ذلك إلى كون النص الشعري القديم قد بني بعيداً عن تقنيات العناوين، وإشكالات تداولها. 

ومن هنا تظهر الحاجة إلى معرفة بدئية أخرى تنعكس على إيقاع النص ودرجة انفعال الناص ما يسهم في الكشف ، بطريقة لحظية، عن توترات النص الرئيسة التي تجسدت فيما يزيد على مائة صفحة ، وكأن هذا النص المطول يضع خطوته الأولى في منافسة مبكرة جداً بين الملحمة وهي منافسة لها بعدها التاريخي الضارب بجذوره في أعماق الماضي،  ومنافسة أخرى مع نصوص لها جذورها العتيقة وهي المعلقة في التراث العربي .

إن هذه المسافة التي يقطعها النص مراوحاً بين ثلاث مراحل : مرحلة أولى ضاربة في العتاقة ، ومرحلة تالية ، ومرحلة ثالثة حديثة أحيت في ظلال النص المنافسة الفعلية، وقد أوجدت لذلك المتلقي إحساساً بانتهاك لنص أبوي يلقي بظلاله على القصيدة، ويكتم أنفاسها، ويمهد لإضعاف هويتها، وتدمير بنيتها المستهلكة إذ لابد أن يكون مثل هذا النص منتمياً إلى النص الشعري القديم الذي تمثل في ( معلقة )، أو النص الأقدم منه الذي تمثل في ( ملحمة ).

 

سؤال الاسم وأسئلة اسم الاسم

 مع تأكيد فرانسوا ليوتار على دور الأسماء وأهمية عملها عند بناء النصوص فقد بنيت الجدارية بوصفها سؤالاً وجوديا مباشراً منذ لحظة الاستهلال لأولى ومنذ لحظة البناء التالية التي يحضر فيه النص متكئاً على نصوص موازية تجسد أكثر من صيغة للأسئلة وتتوسل الوصول إلى إجابة ورفض إجابة ، وكأنها تضع بذلك هالة حول الطرح التساؤلي فيها.

كانت البدية بالسؤال الوجودي خاضعة لرحلة التنامي الطبيعية متوازية بذلك مع عمر الإنسان، إذ يتنامى الجسد فارضاً أسئلته حوله، وذلك عبر هذا السؤال الذي ينميه النص وينمو من خلاله ما يمكن وصفه الإجبار الوجودي الذي لا علاقة للذات به ولا يمكن للذات أن تدرك كنهه وضرورته.

وبما أن هذا السؤال الوجودي للذات الإنسانية يرفض الولوج في تفاصيل الإجابات، ويدرك العلاقات الفارضة لتحرير اسم للذات الإنسانية فقد جاء وهو يوشك على الاختلاف عن الصيغة المطروحة والمتبناة، فترد في النص صيغتان : إحداهما صيغة الاسم المباشرة ، والمتمثلة في اسم الشاعر ( محمود درويش ) ،  أما الصيغة الأخرى فهي صيغة اسم الاسم وتتمثل في قوالب مثل ( اسمك ، اسمي …) وغيرهما .

ويختلف توضع هاتين الصيغتين في الجدارية ، فهما ينبنيان بطريقتين :

يتم التمركز في الأولى حول الاسم في استهلالية العنوان، وكأن هذه الاستهلالية تصنع قناعين مختلفين: أحدهما التوازي المباشر للنص مع الناص في التسمية الإجبارية وفي ذلك يتجلى الإيمان البدئي المفرط بفرضية الطرح المقصود. بينما تظهر آلية التناقض الذي يصنعه تأويل النص مع استهلاله المتمركز على اسم الاسم ثم إطلالة النص الشعرية:

هذا هو اسمك/

قالت امرأة،

وغابت في الممر اللولبي   ( الجدارية ص 9)

من جانب آخر تظل الطريقة الثانية التي تنبني عليها إطلالة ( اسم الاسم ) تشكل هنا انفصالاً طفيفاً عن جسد النص ، وهو انفصال دلالي تخلقه لغة الحوار السائدة في المقطع  إذ يتحول النص إلى إسناد مباشر إلى ضمير المتكلم، ويدعم هذا الانفصال انفصال ظاهري شكلي فراغي.

ومع وجود هذا التشكل المختلف للنص في مطلعه إلا أن هذا المقطع يعود إلى الظهور مرة أخرى متنامياً في حجمه ومتشعباً في دلالته ، ومختلفاً في طريقته فيحضر النص التالي بعد تكرار المقطع نفسه:

…..

هذا هو اسمك، فاحفظ اسمك جيداً  ( ص 16)

ومع التنامي المقصود في إطار سردي يتخذ اسم الاسم وضعيته التي تسمح له بالانفتاح على جوانب تأويلية متنوعة:

 

يا اسمي: سوف تكبر حين أكبر

سوف تحملني وأحملك.. ( ص 17)

ويوشك هذا التنوع في سرد كهذا وتحولات في صيغ اسم الاسم مثل : ( اسمك ) ( اسمي ) أن تمنح الذات انعتاقها من سلطة الإجبار المبنية على سلطة الاسم وانبثاقاته ، إلا أن هذا التنوع برتبط دلالياً بسلطة إجبار وانتهاك أخرى تظهر ملامحها العتيقة في النص ، وهي الانتهاك للوطن ليبدوا أمرين يفوقان قدرة الإنسان على التغيير ، ومن ثم ّ تتبدى صعوبة التغيير للاسم التنامي نصياً والمتوازي مع صعوبة التحرير .

إنه تدرج يرواح بين الاسم والتغييير ، والوطن والتحرير ، وانبثاقات رغبة في التأكيد على ربط النص حتى على المستوى الشكلي بهذه الظاهرة.

ووتتطور أسئلة العلاقة مع اسم الاسم من أسئلة مبنية على جوانب تأكيدية ذاتية فردية إلى أسئلة أكثر تشكيكاً في علاقة الاسم بالذات ولاسيما بعد أن يتم التوحد بين ذاتين، كما تم التوحد بين نصين:

خذي ( أنا) ك . سأكمل المنفى  ( ص 18)

ويتم التأكيد على هذا الأمر ثانية، وثالثة:

أنت حقيقتي ، وأنا سؤالك

لم نرث شيئاً سوى اسمينا

وأنت حديقتي ، وأنا ظلالك

عند مفترق النشيد الملحمي (39)

إن الارتهان إلى التناسي يؤكد دخول الذات الإنسانية في متاهة من التلاشي الجسدي أو الثقافي الذي يعقب التلاشي المتصل بممكنات تلك الات من اسم ووطن وما إليهما ، ويضمن بعض الحل لإشكال الوضعيتين الاثنتين.

نسيت ذراعيّ ، ساقيّ ، والركبتين

وتفاحة الجاذبية

نسيت وظيفة قلبي

وبستان حواء في أول الأبدية( 66)

إن سؤال الاسم ليس سؤالاً جديداً في شعرنا الحديث ، فهو سؤال يستمد مشروعيته من رغبة الشاعر في الغوص إلى تخوم الإبداع والعودة بجوهر السؤال وكنهه، ومن تلك التجارب الشعرية على سبيل المثال ( قبر قاسم ) الذي يربط فيه الشاعر البحريني قاسم حداد عنوان ديوانه بصيغة الاسم في ديوانه الأخير ، ولكن صيغة اسم الاسم ربطت موصولة مع العنوان لدى أدونيس ، حيث كانت صيغة اسم الاسم عنواناً لديوان شعري ( هذا هو اسمي ) صدر عن دار الآداب ببيروت 198م، وطبع في دار المدى 1996م،بينما ترد صيغة الاسم بوصفه موصولاً بالعنوان ، و تتناثر شظايا اسم الاسم في النص لدى درويش.

ومع ذلك تبقى ( ثيمة ) الوطن فاعلة في كل النصوص.

وطني فيّ لاجئ

وليكن وجهي فيئا

وهو من الحجر العاشق يمشي حولي ، أنا العاشق الأول للنار ( هذا هو اسمي،226)

وتتأكد هذه الصيغة المتعالقة بالوطن في هذا السطر الشعري لدى أدونيس :

علي وطن ليس لاسمه لغة ينزف نفياً..

لماذا يكتب محمود درويش جداريته؟ وماذا تعني الجدارية .. في زمن تعددت فيه ملامح العنوان واختلافاته ؟.

إن انسياق النص في مراحله الأخيرة إلى سياقت أسطورية وملحمية وأبطال ملحميين قد أدى إلى تكوين هذه ( الإيقونة )  الملحمية التي نجح النص في التعبير عنها بوصف ذلك تعويضاً عن حالة من الشتلاشي والشتات لإنسان معاصر:

كنت أولد منذ آلاف السنين

الشاعرية في ظلام أبيض الكتان ( ص 71)

وتنفرج رؤية البعد الملحمي مع إيغال النص في هذا التأطير  لذاته، وتأكيد اندفاعه الأسطوري وتعالق شخوص النصين ليؤكد هذا التحول الكبير من سياق شعري معتاد إلى سياق ملحمي له إطاره الخاص :

نام أنكيدو ولم ينهض : جناحي نام

ملتفاً بحفتة ريشه الطيني . آلهتي

الوحشي أنكيدو ، خيالي لم يعد 

  جدارية محمود درويش عنوان أولي حديث لملحمة أسطورية تستمد بناءها عبر الموروث ، لكن هذا النص نجح في رسم إشارتين مباشرتين إلى قبرين يختزلان في النص ، أو هما يختزلان النص والناص في آن .

الاسم اختزال أولي للذات … حيث تحتزل الذات فيه إلى  أقصى حد، أما الجدارية فهي القبر الآخر الذي يعتمد على آلية اختزال مباشر للنص في العنوان.

madwani@hotmail.com

www.m-adwani.8m.com