Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

( خُسران )

القص في عباءة شاعر

معجب العدواني

يبدو التأمل في الإنتاج الشعري الحالي ضرورة تفرضها أهمية تتبع الإبداع المحلي الذي كان له احتضان عمل جديد للشاعر علي الحازمي صادر عن دار شرقيات في العام الجديد 2000م.

  اختار الحازمي لهذا العمل الشعري عنواناً مختلفاً، إذ يقبع هذا العنوان في مفردة ( خسران) ويحلى صدره  بضمة أضيفت استدراكاً بعد الطباعة،لتجد هذه المفردة نسيجها المتواتر على  الغلاف ، ويبن دفتي ديوانه . إذ تستند هذه المفردة  على نص مواز آخر يتمثل في رسم تشكيلي لشادية عالم ، وتوشك ملامح هذه اللوحة أن تضفي مزيداً من الخسران على وجه تفتقد ملامحه إلى التحديد، إذ يغطي اللون الأحمر القاني أغلب الملامح الظاهرة فيه ، وينتج عن ذلك الغطاء القاني طمس فاعل مستهدف لملامح كتلك.

 تشكل اللوحة غلاف الكتاب الأول فيما يبدو العنوان واسم المؤلف ضيفين على تلك اللوحة. ويشمل الكتاب عدداً من النصوص الشعرية الحديثة المصدرة بإهداء

(  إلى عائشة ..

 رغم سنواتنا السبع إلا أنني أحاول أن أحبك

بالطريقة التي تليق بغصنك .. يا لضعفي ..).

 

وهو إهداء على الرغم من  تقديمه إلى عائشة، عائشة التي كثيرأ ما وظفت كرمز شعري في الشعر الحديث ولاسيما شعر البياتي، إلا أنه يتمركز حول الذات التي استترت خلف ضمير الجمع ( نا الفاعلين)  في سنواتنا ثم ما يلبث أن يفتضح خطاب الـ ( أنا ) ويتجلى نصياً بظهوره خمس مرات بأشكال مختلفة تؤكد على حضور الذات وغياب الآخر عائشة .

وبما أن الإهداء قد آثر اللعب على مسألة التنويع على الضمائر  فإن التنويع على الضمائر في نص شعري كهذا  سيكون مدخلاً ملائماً لمقاربة سريعة له إذ يضم الكتاب أربعة عشر نصاً شعرياً يمكن تصنيفها على النحو التالي:

       ·         ثمانية نصوص شعرية وظفت ضمير المتكلم مستثمرة تنويعاته ، وتشمل: ركن ، نستجيب لأحداقنا .تسرب اللوعة،نشوة للهزيع،ولادة،ذات حتى تكتمل ،شارع قلبنا الممدود، دمعتها على شفتي جمر مالح.

                    ·                          خمسة نصوص شعرية توظف ضمير الغائب واستثمرت تنويعاته أيضاً . وتشمل غبطة تجف، مقعد لا يتسع للفضة ،حافة العاشق، مريم ، خسران.

                    ·                         نص شعري واحد يستخدم تقنية القص مراوحاً بين ضميري الغائب و المتكلم.وهو نص ( رئة المدينة التي تزدحم بالخيبات ).

ومع أن العنوان ( خسران ) قد انبثق من عناوين أحد النصوص الشعرية التي أشرنا إليها ، إلا أننا ، في هذه المقاربة العجلى، قد آثرنا اختيار نص شعري يمثل اختلافه في العمل.

 هذا النص المقترح هو ( رئة المدينة التي تزدحم بالخيبات )، أما الاختلاف الذي يميزه عن غيره فيتجلى في خمسة ملامح أوشك أن يحقق بها النص تفرده واختلافه المطلوب والمتوخى بين نصوص الكتاب:

       ·        الأول  كونه يحمل من ملامح التعددية ما لا تحمله بقية النصوص وما التنويع بين الضمائر إلا تجسيد لتلك التعددية.

       ·        وثانيها أنه يحمل البنية القصصية في أسمى  حالاتها ، ولا يعني هذا ابتعاد بقية النصوص عن تلك البنية ، إلا أن هذا النص يشكل المصدر الأساس لاستغلال طاقات القص في الكتاب عامة ، وهو ما ستحدده عناصر البنية القصصية فيه.

       ·         وثالثها كون هذا النص يحمل العلاقة الرئيسة مع العنوان الرئيس ، مع أن العنوان الرئيس قد بدا متطابقاً مع عنوان النص الداخلي .

       ·         ورابعها اشتمال نص ( رئة المدينة التي تزدحم بالخيبات ) على خمسة مقاطع داخلية تحمل عناوين فرعية :مغادرة، تعارف، ميادين، سوط،لعاب.

       ·         وخامسها تلك العلاقة التي تربط بين المقاطع الشعرية الخمسة السابقة إذ يتم بها وعبر تلك الجزئيات بناء النص الواحد المتكامل.

هذه الملامح المختلفة حددت شعرية النص المعنون بـ ( رئة المدينة تزدحم بالخيبات ) فغدا النص رئة للكتاب يتنفس عبرها ، إلا أنها رئة لا تزدحم بالخيبات .

ولنتناول الملمح الثاني في كون النص يحمل البنية القصصية في أسمى حالاتها إذ يشكل التكثيف ذلك الملمح ، ولعلنا إذا استعدنا القصة القصيرة جداً التي يقل إنتاجها في أدبنا المحلي سنجد كثيراً من التعالق النصي بين المقاطع الخمسة و هذا الأنموذج المختلف، إذ يشكل كل نص من النصوص الفرعية وحدة  قصصية قصيرة جداً، وتترابط الوحدات الخمس  لتشكل لنا نصاً قصصيا متكامل الأجزاء بعد تشظيه وتفرقه في النص الشعري. و يفضي بنا هذا الأمر إلى درجة المعالجة للنص القصصي القصير الذي يفترض أن يسمح للمتلقي بتلميح متواتر أو إحالات نصية متتالية حين يستعيد المتلقي كل ما تحويه ثقافته عن ذلك الموضوع نفسه فتكون مثل شرارة أوقدت ناراً  فالقارئ لتلك الوقفات الإبداعية  سيشعل تلك النار العظيمة من شرارات التناول النقدي التي تثيرها السطور الشعرية فتتحول إلى عملية تأويلية .

في هذه المقاطع الخمسة تراوح درجة القصصية بين التطابق الكامل مع الأنموذج المقترح وتتضاءل أحيانا إلى درجة التضمين ،على استحياء ، بتفعيل استغلال احتكارات الجنس الأدبي ، وتضاؤل الأجناس الأدبية الأخرى أمام هيمنة  القالب الفاعل في  النص ، ويزداد ذلك حين يغيب السارد الذي يفضل أن ينوع في تلويناته الضمائرية التي تتميز بالحاجة إلى ما يمكن تسميته مجازاً ( تقنية إسدال الستار ) وهي تقنية مؤقتة توشك أن تمارس قبل كل بدء ، ليكون كل مشهد، ومن ثم المقاطع، أقرب إلى الاستقلال.

 ويدعم ذلك التوجه نزوع تلك المشاهد القصيرة إلى أن تكون حية ومؤثرة ، إذ يتم اقتناص المشاهد التي تحضر في ثقافتنا بوصفها الوجه السلبي من حضارة ما، ولا يعني ذلك السعي الحثيث إلى إصدار أحكام قيمية عبر النص الذي يمهد له بمشهد المغادرة التي تمثل الانتقال من وجه إلى آخر. ولكنه إضفاء مزيد من حرية التأويل المطلوب تفعيله لدى المتلقي .  

ومع كثرة الخيبات المفردة التي تتردد في النص معلنة عن نتيجة مسبقة قبل أن يتمكن السارد القصصي في النص من إيراد أسباب هذه الخيبة ، إلا أن هذه الظلالية السوداء قد جاءت متعالقة بالعنوان الرئيس للكتاب ( خسران) أولاً ، وعملت على إيجاد وتحرير الجو الملائم للتناول النصي ،كما جاءت متعالقة بعنوان النص لتتأتى الخيبة البدئية بوصفها خاتمة للمقطع الأول ( مغادرة ) :

كم تظل ورود الكلام مجففة

فوق أرض المدرج .. في خيبة  ( ص 40)

وفي المقطع الثالث تأتي الخيبة أيضاً خاتمة لهذا المقطع :

من مواعيد بائسة في الشمال تظل مؤجلة

بالميادين أنقاض عطر غرام

تجوس الممرات في خيبة .. ( ص 43)

يأتي التشكيل الكتابي هنا مختلفاً قبل أن تأتي المفردة التي يرتكن إليها النص إذ تسبقها في المرة الأولى فواصل نقطية  تنبئ عن فراغ وفجوة لها علاقتها بالموضوع الذي يتناوله النص فالوداع وما يستتبعه من هموم إنسانية تفضي إلى وجود الفجوة التي تبدأ بلحظة السفر ومغادرة المطار ، إلى جانب كونها لحظة فردية ، أما المرة الثانية فتأتي الفواصل النقطية تالية للمفردة  كلحظة جماعية وشاملة .

تتردد أيضاً المفردة بتعبير يحمل الهم المتحول من الفردي إلى الجماعي

كلما لامس الحلم محض أمان لهم

وأرادوا بخيبتهم بسط

ذيل عباءته حولهم .. تنحني العربات ( ص 45)

وقد يأتي التعبير مختلفاً ولكنه معبر في :

ولاذوا لأحلامهم حين شدوا إليهم

غبار ثيابهم في انكسار سحيق..   ( ص 44)

وتتواصل مثل هذه التعابير التي تلمح بمظاهر الفشل والخيبة:

وينشدن في وقتهن غياباً يواري

عذابات أرواحهن الرهيفة ( ص 46)

أو  قوله في المقطع الأخير:

 حيث يهزمن في رجل يتلوى

بجمر أسرتهن رجالاً تخلوا

وفروا بوردة أحلامهن بعيداً

ويأتي الورد بوصفه علامة على ذلك الانكسار والخيبة كما نلحظ في السطر الشعري السابق ، مع كون النص قد استلهم مقطعاً للإنباء عن  حضور البنفسج وانعدام الخيبة في مقطع ( تعارف)، أما الخسران المتصل بغياب الورد فذلك يتضمن مراحل منها فقد الورد والفرار به كما أسلفنا ، أو  جفافه ويبسه وارتباط ذلك بالكلام وأثره في التخفيف من معاناة الوداع:

كم تظل ورود الكلام مجففة  

وللأزهار دورها المناسب ، فالأزهار التي كانت شاهداً على لحظة عناق سريع ومتعة كما في المقطع الثاني، لا تلبث أن تتحول لدى السارد/ الشاعر  إلى بؤس تصنعه أولئك المجموعة من النسوة المستندات إلى أعمدة النور:

حيث قد يسقط البعض

في بؤس أزهارهن

 ومع شيوع ثيمة الخيبة والانكسار والخسارة وانتشارها في النص إلا أن المكان يبدو بوصفه الشخصية السردية الأولى في النص الذي يرتكن إلى البنية القصصية .

للمكان هنا صورتان  إحداهما ظاهرة وجلية يختتم بها النص إذ ينزوي الاسم العلم ( لندن ) انزواء غريباً في نهاية النص وقد برئ من كتابة اليوم والتاريخ كما تعودنا في بعض النصوص الشعرية الحديثة . إلا أن هذا الانزواء يسهم في الإحالة إلى مرجع خارجي يوشك النص أن يتفاعل معه.

أما الصورة الأخرى للمكان فهي الصورة المنسوجة نصياً انطلاقاً من العنوان ( رئة المدينة ) والعناوين الفرعية للمقاطع إذ توشك كلها على استدعاء المكان بوصفه الشخصية السردية الأولى. ولا شك أن اختيار الرئة دليل على أهمية المكان وترشيحه لأن يكون الأجدى في أنحاء المدينة ، وهو الأجدى لكونه يحمل الروح الجماعية التي تحتفل بها المدن ولا يكون ذلك إلا في الميادين والأرصفة والشوارع وما  أشبه ذلك .

تأتي الشخصية السردية الثانية في إطار التشكيل الجماعي لهذه الشخصية إذ تضم مرة صبية وأخرى تضم نسوة، وبين أولئك الصبية والنسوة تنتشر الخيبات التي يرصدها السارد.وينجح ذلك السارد في التعريف بشخوصه إذ يبدأ بهم في مطالع المقاطع :

اللواتي استندن لأعمدة النور

آخر هذا الممر نساء يعشن الهوى

في اشتهاء ذبيح  ( ص 46)

كما تهمش أدوار الفئات الاجتماعية الأخرى فمواعيدهم بائسة استتباعاً لمنظور الخيبة الذي أطل منه السارد. يستشعر السارد أيضاً الزمن الموحي بالكآبة وأثر الخسران إذ تتوالى الأزمنة المختلفة التي تنبئ أحيانا عن زمن عام وأخرى عن لحظة فردية كما يلي:

لحظة السفر ـــ  لحظة المواعيد البائسة ــــ زمن الصقيع البارد ليلاًـــــ لحظة طلب الشهوة .

وكل تلك الأزمنة والأمكنة السردية المتتابعة في النص تتصل بثيمة الخيبة والخسران والانكسار ، الأمر الذي يؤكد على طابع الترابط البنيوي العميق بين عناصر البنية القصصية المقترحة للنص .

madwani@hotmail.com

www.m-adwani.8m.com