حين يتحوّل النص إلى ( فضّة )
بقلم : معجب العدواني
" الفضة رمز معاند للذهب ( الذهب مبدأ فعال ، ذكرشمسي ، نهاري ) ؛ فيما الفضة مبدأ منفعل مؤنث قمري "
( معجم الرموز )
العنوان الذي اختاره القاص ( جمعان الكرت الغامدي ) لمجموعته القصصية الصادرة حديثاً بعنوان ( فضة ) يمنح السرد إمكانية التفاعل البدئي المبكر في حقل التلقي مع عنوان المجموعة اللافت ، ولا سيما حين تتناول النص القصصي الداخلي الذي تتضمنه المجموعة بالعنوان نفسه ، ذاك النص القصصي لا يحمل إشكاليات التفاعل المبكر معه للوهلة الأولى ، حيث تغدو فضة (الفتاة ) إحدى المعطيات المباشرة للنص ، ولنا هنا أن ننطلق إلى الحكاية البسيطة والمباشرة التي يتضمنها النص .
فضة فتاة تتعرض لضغط الزواج ممن لا تعرفه ، تتلمس البحث عن حقها في معرفة الزوج القادم في ظل مجتمع ريفي وزوجة أب ، حيث تمارس زوجة الأب ضغوطها المباشرة عليها .
للتأمل في بنية النص السردية سنرتكن إلى فاعل سردي من نوع مختلف عما ألفناه من شخوص فاعلة سردياً ، إنه الفاعل ( الرغبة ) إذ هو الفاعل السردي الذي أسس انطلاقاً من حركة السرد الشفاهي المعتاد فحسب ، لكن الفاعل هنا هو الرغبة في امتلاك جزء ـ ولو بسيط ـ من حرية الاختيار ـ اختيار الزوج ـ حيث ينجح السرد في خلق معارضين ومساندين لذلك الفاعل السردي .
من المعارضين الأساسيين ( غياب والدة فضة ) بالموت ، و يحل محل المعارض الأول معارض آخر مباشر ( زوجة الأب ) ويطلق عليها " رفعة " ، لا يلبث أن يتشظى هذا المعارض ليحل محله أيضاً معارضون آخرون ، و إن كانوا ينبثقون عن المعارض الثاني ، أو هم ـ على الأقل ـ تجليات منه نحو :
_ موعد الزواج ـ القلب الأسود ـ اللسان السليط ـ الأصابع الصلبة .
أما المساعدون هنا فهم غير واضحين ، فالنص لا يرى مساعداً لتلك الفتاة الحزينة سوى امرأة تهمس في أذنها وكأنها تدعوها إلى البحث عن حرية الاختيار بقولها الهامس لفضة : لماذا وافقت يا مخبولة ؟ .
للزواج في عيني فضة جانبان مهمان ، ومزدوجان إذ هو مساعد ومعارض في آن : في الجانب الأول ( هو المخرج الوحيد لفتاة مثلي يتيمة ووحيدة ) وهو في الضفة الأخرى ولكن بصوت السارد المـنـزوي في خبايا النفس لدى فضة ( هدم للحرية الذاتية حتى لا تعرف من هو العريس ) ، ولا تتحقق الحرية الجزئية للفتاة سوى بالسرد ، حيث تكون الصرخة الأخيرة ( أنت مهيمنة على هذا المنزل المتواضع ، وأعرف أن أبي مغلوب على أمره حتى أصبح أضحوكة أهالي القرية ) .
ومع أن هذا الجانب السردي خروج من السرد المباشر إلى الاسترجاع للماضي وذكريات الطفولة الحالمة في المكان الحافل بجوانب شعبية يصعب على فضة فراقها ، إنه التعلق الحالم بتلك الأشياء التي تحتويها صفحة الغلاف الخارجية وهي من موروثات الماضي التي سيكون مصيرها منسجماً تمام الانسجام مع مصير " فضة " .
ولن ندهش إذا عرفنا أن جذر فضة ( فضض ) بمعنى كسر وفرق ، إذ أصبحت فتاة كتلك مكسورة ومهمّشة بعد أن أفصح السرد عن ذلك الكسر الدائم لقلب فتاة كتلك .
إذاً ربما كان اختيار الاسم ( فضة ) ذا دلالة رمزية حيث تحولات اللون للفضة من الأبيض إلى الأسود يلغي قيمتها ويهمشها ، ولاسيما حين يحيط بـ ( فضة ) الفتاة السواد من كل جانب، سواد الليل الطويل ، سواد المصير المحتوم ، وإن شئت فقل سواد الحـظ .
كل ذلك يشي بتعبير عن سوء الطالع والمعاناة الشديدة التي تقاسيها ، لكنها بذلك تفقد قيمتها ، و يتحول وجهها الإيجابي البراق إلى وجه سلبي بشع .
إن اعتماد السرد على أمكنة لها صفة التهميش وشخوص أيضاً يحملون تلك الصفة كذلك (الأب ) الذي يشبه القط الخائف يدعم هذه الرؤية ويؤكد عليها ..
سيحيلنا هذا المطلع التعريفي بالنص وتلك الإشارة الرمزية إلى محاولة للربط و إيجاد العلاقة بين الفضة كمعطى نصي والذهب كمعطى مسكوت عنه في النص من جوانب رمزية فحسب كما تشير إلى ذلك مقولة معجم الرموز السابقة .
والنص كدال يحمل صيغتين تتساوقان مع مساري الفضة أولاً والذهب ثانياً . إذ يتكون النص من قالبين لغويين ربما كان سبب وجودهما هاجس العناية بالموروث الشعبي : القالب الأول اللغة السردية المطعمة بتلك المفردات المغرقة في اللهجة الشعبية ( المرجمة والخورمة ) .
وتشكل هذه اللغة الجزء الأكبر وهي تحمل الجانب النصي المؤنث القمري المنفعل ، أي أن هذا الجزء يتسق مع الفضة في كونها منفعلة لا فاعلة ، ليلية لا نهارية ( لاحظ السواد المحيط بفضة الأنثى من كل الجوانب ) .
أما اللغة الأخرى فهي اللغة التي اختار فيها الكاتب أن يتحول سارده إلى شاعر في القسم الثاني من النص ( الفقرة الأخيرة تحديداً ) إذ يقول السارد الشاعر الذي رمى لبوس الفضة وارتدى الذهب :
" ومضى الليل كسكينة ثلمة تقطع تلابيب الوقت ، واستمر الليل بعباءته الطويلة وتراخت عقارب الساعة كأن من يدفعها إلى الوراء .. ومضى ليل كليل امرئ القيس بأمواجه وأهوال وأحزانه ، شعرت وكأن على رأسها صخرة ضخمة ، طوحت برأسها الصغير المثقل بالأوجاع و الهموم والأحزان ، على المخدة وفي نحرها نشب سؤال حاد وجارح ..من ينقذني ؟ من ينقذني ؟؟ ) ص 20 .
لقد آثر هنا أن يخرج من مأزق السرد عبر لجوئه إلى تلك اللغة الشعرية المكثفة ، وذلك انطلاقاً من تلك العلاقة الضاربة في العتاقة بين الشعر والذهب ، يعود الكاتب هنا إلى الأمل بأن يطرح حلاً لغوياً بعد أن توقف السرد عن إنقاذ ( فضة ) من مصيرها المحتوم ، فهاهو يتحول إلى لغة يستخدم فيها تقنيات نحو :
ـ تكثيف الصور البلاغية .
ـ التداخلات النصية مع الموروث .
_ التكرار .
يجد الكاتب في هذا خروجاً جميلاً من مأزق القانون السردي الذي يفترض به أن ينقذ ( فضة) أو يحدد مصيرها .
فقد خرج هو نفسه من دائرة الفضة متجهاً إلى دائرة الذهب الذكوري الفاعل الشمسي النهاري، ليضمن لنفسه السلام والاطمئنان في حين بقيت ( فضة في دائرة السرد الليلي ، المؤنث، المظلم ) .
ثم ألم يكن من عادة القصاص أن يفتتحوا نصوصهم بتلك الدوائر الشعرية المكثفة ( الذهب) في مطالع نصوصهم ، بينما هذا النص اختار تأجيل تلك الدائرة الذهبية لتكون خاتمة للنص لا مطلعه ؟.