تجلي الصوت وغياب الجسد
يبدو الغلاف بوصفه النص الموازي لسيرة عصفور وقصص أخرى في المجموعة القصصية الحديثة التي كتبها ( عبد الله باخشوين ) بعنوان ( النغري ) نصاً موازياً نجح في مجاراة النص الأساس ، وذلك انطلاقاً من تلك العلامات التي احتواها وهي تشكل ذلك النسق الخارجي لسياق السرد ، ومن جانب آخر فقد شهدت بجلاء على مراحل نمو قصصي أرادت له القصة الأولى في المجموعة الصادرة في العام الحالي 1998م أن يمثل ذلك التنامي في الحدث الذي استطاع أن يشتغل في اكثر من موقع من مواقع النسق السردي فيها .
يرتكز الغلاف هنا على لوحة كتب في أعلاها ( النغري ) وهو البلبل ـ كما يسميه أهالي المدينة المنورة ـ ويرتسم فيه شكل طائر يقارب ـ إلى حد ما ـ صورة البلبل الذي يحل محل الوجه فيبدو وكأنه يرتدي ثوب إنسان .
ويعني ذلك الارتهان إلى لوحة غلاف بهذه الطريقة ارتهاناً من نوع آخر ، حيث استثمار النص الأول في المجموعة فحسب كنص له جانب شمولي ، أو هو نص أبوي ، وتدعم أبوته بعنوان فرعي آخر ( سيرة عصفور .. وقصص أخرى ) ، من هنا كانت أهمية النص الأول أو ما يمكن تسميته هنا ـ مجازاً ـ النص الأب ، ولا شك أن كتابة العنوان بهذين الشكلين التعبيريين (الكلمة والرسم ) ووقوعهما في أعلى الغلاف ، قد أباح لهما أن يشكلا النص الأول كنص له من الميزات الأبوية ما يسمح له بالتمركز في الصدارة .
قبل الولوج إلى النص لنا أن نعود ـ إذ لا منا ص من العودة ـ إلى استلهام ذلك البيت الذي
قال فيه الشاعر يصف كرماً :
يحملن أزقاق المدام ، كأنما يحملنها بأظافر النغران
وتتجلى أهمية ذلك البيت في كونه نصاً غائباً عن النص الحاضر بقوة هنا ، لكنه نص فاعل فيه إذ أن هذا البيت الذي انطلق من إقامة العلاقة شبه الدائمة بين النغري والعنب ، فمعالق العنب تبدو أقرب إلى صورة أظافر النغران التي تتدلى منها حبات العنب .
إذاً فقد ترسخت في مخيلة الشاعر العربي هذه الصورة السابقة ، وهي صورة حبات العنب وهي تتدلى في حين يتبدى طائر النغري وهو ينقر تلك الحبات نقراً خفيفاً .
الكاتب القصصي " عبد الله باخشوين " يكشف عن هذه الصورة حيث يعيد إنتاج تلك الصورة في قالب إبداعي مختلف ، هذا التشكيل الجديد يغري بمحاولة تتبع واستقصاء ظواهر النص بوصفه النص الذي يشكل المساحة الأكبر بين نصوص المجموعة البالغ عددها ثمانية نصوص افتتحت بـ ( النغري ) واختتمت بـ ( اللحظة التي تلي ) .
يضم نص ( النغري ) ـ ولنا أن نقول ـ بين جناحيه أربعة مقاطع سردية ، و تسهم هذه المقاطع بدورها في تقسيم النص إلى أربعة مقاطع سنتعرض لها دون ترتيب منطقي :
· المقطع الأول يخص السارد وعلاقته بالطيران قبل النغري .
· المقطع الرابع والأخير يمثل استكمالاً لمحاولة دراسة تلك العلاقة ولكن بعد الإشارات الأولية التي تضمنها سابقه .
· المقطع الثاني يبدو توصيفاً أدق لمظاهر تلك العلاقة بين السارد والطائر ويشمل ذلك علاقة عارضة أولية تليها علاقة أكبر عمقاً .
· المقطع الثالث يؤسس لقاعدة يمكن وصفها بأنها معرفية وهي قاعدة تتصل بهذا الطائر ، حيث تبدو إشكالية النص الأكثر عمقاً عبر مفهومي الحضور والغياب ، غياب الجسد بوصفه مقابلاً لحضور معرفي استثنائي يتوسل إليه هذا المقطع .
ومع أن السارد ( الفتى ) قد اقترب أكثر من هذا الطائر الصغير في مرحلتين مختلفتين ، فإن حضوره لم يمكنه من تحقيق المعرفة به ، لقد فقد المعرفة به مما جعله يفقده في حالتين مختلفتين: الحالة الأولى : يمثلها فقد السارد للنغري وهو فقد غير مباشر أثار حزنه وحده .
أما الحالة الثانية فقد كانت حالة فقد السارد لطائر النغري المباشر ، وهو الفقد الذي ترك أثره ليس عليه وحده فحسب ، وإنما على من حوله ( أمه وإخوته ) الذين بدا تأثرهم بموت النغري وسقوطه المريع ، وهو السقوط الذي أحدث خللاً في أحوال الأسرة ( في ذلك المساء بدت أمي متوترة ومتعبة ) ص 17 ، ( أرهقها إخوتي كثيراً قبل أن يناموا ، كانوا مصدومين من تلك الطريقة المأساوية التي انتهت بها حياة النغري ) ص 18 .
أما مرحلة التعرف على النغري وانزياح روح الدهشة عنه فقد كانت متدرجة أيضاً في حالين مختلفتين :
الأولى تتجلى بكون الفتى لم يحقق المعرفة به إلا في التعرف على البيئة التي يعايشها والكرم الذي يقتات منه ، فالزيارة التي قام بها لمزارع ( المثناة ) هي التي تسهم في اطلاعه على عوالم النغري الخفية .
وتكتمل هذه المرحلة بتطبيق تجريبي يمثل الحال الثانية إذ يسهم في إزاحة آخر خيوط ستار الجهل عن عيني الفتى و تكون بزيارة محل لبيع الطيور وسؤال ( عم عبيد ) الذي يقوم بممارسة عملية إطعام النغران لتتحول من طيور ساكنة وهادئة إلى أخرى منتشية ومغردة بأصواتها الجميلة .
حين يتطلع السارد إلى الحصول على هذه المستويات المتفاوتة من المعرفة بهذا الطائر ليصل في النهاية إلى المرحلة الأخيرة ـ وهي من أهم المراحل ـ إذ هي مرحلة التجسيد والتحول الذاتيين حيث يتحول الطائر ( النغري ) إلى صورة ( السارد ) الإنسان الفتى .
أما كيف تحققت هذه المعرفة بالنغري بوصفه طائراً بعيداً عن اهتمام الفتى ، وكما يرى ( عم عبيد ) بائع الطيور ، فهو يقول مازحاً ( إنتم اش عرفكم بالنغاري … ياحضران ) ص 28 .
إن تلك المعرفة قد تحققت أخيراً بانتفاء الحضور للجسد إذ حين يحضر الصوت ويتمركز فإن المعرفة تبدأ في التماهي بذلك الحضور ، الأمر الذي قد يؤدي إلى إلغائها ، وذلك ما يرد في جوانب نصية متعددة .
لقد انتفت المعرفة وجسد ذلك الانتفاء في ثلاثة مسارات مختلفة غيب فيها السارد طائر النغري وذلك على النحو التالي :
المسار الأول حين يبتعد السارد عن النغري بدعوة أولية من صاحبة المنزل الذي رأى فيه النغري لأول مرة ، أما المسار الثاني فيكون حين تناديه أمه للعودة إلى المنزل …
أما المسار الثالث فيتجسد بسقوطه المريع عند اصطدامه بإحدى جدران المنزل بعد محاولة تدجينه التي انتهت بالفشل الذريع .
يؤكد السارد على أن النغري طائر لا يختلف عن الطيور الأخرى بجمال صوته فحسب ذلك الصوت الذي يأبى السارد التمركز حول صوته فقط ، حيث يبدأ تميزه بوصفه محققاً اختلافه عبر جوانب عديد ينطلق منها النص إذ تغدو تلك التميزات ملامح أولية للتأسيس لهاجس السرد المبكر :
أولى تلك الجوانب شجاعة ذلك الطائر فـ ( الفزاعة لا تخيفه ) ص 22 .كبقية الطيور .
الحزن الذي يعتريه عندما يحين المساء .
كونه لا يقتات على الدود .
اعتماده على ثمار الفاكهة فحسب .
لا يمكن صيده إلا في حالة واحدة وهي إغراقه في الثمالة .
هذه الاختلافات تجعل من هذا الطائر متفرداً ووحيداً ، وتجعل حضوره الصوتي في مطلع السرد وواسطته تشكيلاً لصورة الفاعل السردي الذي لا يلبث أن يتحول في صورة أخرى .
هذا الصوت الذي يشكل من جانب آخر تلك الثيمة المتواترة في الجزء الأول من النص قبل تحوله إلى الصورة التالية ، إن الصوت هنا تكرار مجسد لفاعل لا يطول حضوره ، هو حاضر في الاستهلال ، إنه الحضور المكثف في مثل ( أطلق أحدهما صوتاً طويلاً ) ص 8 .
( أصوات الغناء … تغريد متناغم … غناء ليس كالغناء ) ص 8 .
( توقف غناؤهما ) ص 9 ، ( طيورهم صوتها أجمل من شكلها ) ص 9 .
أما في المقطع الثاني من النص ، وهو المقطع المتصل بالنغري الذي يقوم السارد بجلبه في المنزل، فتتكرر الثيمة نفسها وتتزايد في هذا المقطع على النحو التالي ( أطلق صوتاً حاداً ) ص 13 .
( غرد بنغمتين مخلفتين )( وتجعله راغباً في إطلاق نداء الاستغاثة الأخير ) ص 14 ( أطلق نداء ) ص 15 .
في المقطع الثالث تتقلص نسبة المساحة المخصصة لذلك الفاعل السردي انطلاقاً من تلاشي ذلك الفاعل السردي نفسه ، ويحاول السارد ربط حضور الصوت بمعرفة علته ( يأخذ في الغناء بعد الانتشاء) ص 25 . ( في رحلة الغناء التي تكاد نشوتها تذهب بما تبقى في العقل من عقل ، تتساقط صغار النغاري ، غير المتمرسة ) ص 26.
( عندها يطلق عدة ذبذبات متوترة كأنما يريد أن يجلو بها حنجرته ، قبل أن تحلق روحه بعيداً ) ص 30 . أو في مثل قوله ( يملأ روحي ذلك الغناء ) ص 32 .
يرد هذا التكثيف لصوت النغري كظاهرة سردية بارزة وجلية الملامح أفرزت ظاهرتين سرديتين مختلفتين :
الأولى تحول صوت النغري إلى فاعل سردي جلب له السارد معارضين ومساعدين في القص ، وهو ما سنعرض له .
أما الظاهرة الثانية فهي تحول ذلك الفاعل السردي بما له وما عليه وما يواز يه من المعارضين والمساندين وتشكله في هيئة السارد لا الكاتب .
ولنأخذ الظاهرة الأولى وهي كون الصوت فاعلاً سردياً له معارضون ومساعدون ، ولنبدأ بالمعارضين في السرد .
في المقطع الأول : الليل …يكون الليل معارضاً ، بقطعه لذلك التغريد ، إذ ينكمش الطائران داخل القص ، أما القفص …فيكون قيداً يسهم إسهاماً مباشراً في انكماش الطائر وعدم تغريده.
في المقطع الثاني : هناك معارضون من الشخوص حامد الفتى الفلاح الذي لا يثمن قيمة ذلك الصوت ويتعامل معه بكل سذاجة لا يتوقعها السارد .
الأسر .. ويعد بدوره معارضاً رديفاً للقفص ، أما صخب السوق فهو يجبر الطير على أن يدع مساحة الفضاء الواسعة لتلك الأصوات ويفضل أن ينزوي بعيداً ، فيقوم الصخب مقام صوته هنا ، ولذا كان معارضاً له .
يشكل الموت في الصفحة الحادية والثلاثين من المجموعة نهاية مأساوية للمقطع الثاني ، ألم يقل الرومانسي كولريدج ( إن طيور البجع تغني قبل أن تموت ، وليس أمراً رديئاً لو أن بعض الأشخاص يموتون قبل أن يغنوا ) ؟.
بينما يتبدى المعارضون على هيئات عدة ، وأبرز تلك الهيئات : الإطلاق أي إطلاق الطائر من الأسر فهو مساعد كما نرى في المقطع الثاني .
و تبدو حبات العنب مساعداً مباشراً في كونها العامل الأول في نشوة النغري ومن ثمّ سعادته التي يشي بها تغريده الجميل وذلك ما يبثه النص .
في المرحلة الثانية من القص تتحول صورة الفاعل السردي ـ كما أشرنا ـ من صوت إلى تشكل مباشر في صورة ذاتية للسارد نفسه ، وهو الأمر الذي كان هاجس النص منذ مطالعه الأولى ، إنه نوع من التماهي بين السارد و الفاعل السردي .
ويتجلى ذلك في مقطع متكامل يرصده السارد في النهاية، إذ يقول راصداً تلك التحولات (..زال خوفي في لحظة … وأنا أحس بالنغري يحركني كأنه يريد أن يطير بي ) .
وأخيراً ، لعل في عوالم النص التي تشكلت هنا ما يشي بتطبيق وممارسة عملية وفعالة عبر هذا الشكل التعبيري لنظريات طالما انتقدت النزعة الاختبارية في الميدان المعرفي كما يشير إلى ذلك أحيانا ( لويس ألتوسير ) في نقده لـنـزعات كتلك .