Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

في تشكلات النص

ALadwani

في تشكلات النص

بقلم : معجب العدواني

    حين يبني السرد الارتهان إلى ملفوظ شفاهي ضارب في العتاقة ، ساعياً إلى تأسيس  لغته الخاصة به ، وهي لغة تسعى إلى استثمار مقولة شعبية أو حكاية عادية فأنت بلا جدل  في مواجهة أحد نصوص محمود تراوري القصصية في مجموعته الأخيرة التي بعنوان ( ريش الحمام)، والصادرة حديثاً عن دار شرقيات بالقاهرة ، وستجد ذلك بصورة أكثر تحديداً  مع نصه القصصي ( راعي الأكفان ) ذلك العنوان الذي يبوح لك عند محاولة استنطاقه البدئية بالموت كثيمة يترتب عليها بناء السرد .

  ولذا تبدو تلك المحاولات المبكرة لاستنطاق العنوان  ضرباً من النزوع إلى التلقي المباشر ، الذي قد يكون بعيداً  عن الدقة والتلامس الأكثر مع النص .

  يؤسس نص ( راعي الأكفان ) على ملفوظات مختلفة تشكل مزيجاً نصياً  ولغة هجينة كما تنعكس في الوعي الباختيني ، وتتراوح تلك الملفوظات بين ملفوظات ذات كثافة شعرية ضاربة في التأنق التعبيري ، إلى أخرى  أقل تكثيفاً يتمثل في حوار تتبناه الشخصية المحورية في السرد  وهي شخصية راعي الأكفان ، إلى جانب  ملفوظ شعبي  ينطلق  من أحياء مكة وفضاءاتها  حيث يهيم فيها على وجهه قيستقبل بخطاب أقرب إلى الشعبية ، وهوخطاب هامشي يحيا بالتكرارية في لحظة التلقي ، كما يشكل للشخصية  ملفوظا استمرارياً تتعايش به وعليه .

   من هنا تأتي القيمة النصية لذلك النوع من الملفوظات التي تبدي انسجاماً في البدء مع لغة السرد لكنها تحمل من التناقض ما يضمن عدم الاستقرار للمعنى ، بل يشير أحياناً إلى تناقضه .

   يستهل السرد بتوقيت زمني من انبثاق تلك اللحظة التي تتضمن حواراً مع الأصدقاء ، ويتم فيها إخبارهم  بموعد موته ، حيث ينفض أولئك من حوله تاركين له حسرة وألماً مركبين من شعور بالفقد للذات ، أو فقد للآخر ، ولذا يتراءى العنوان هنا وقد أسس للحظة إعلان الموت التي اختيرت لتنامي الحدث في السرد .

  ولما كان راعي الأكفان وهو الاسم المركب الذي اختاره السارد لشخصيته المحورية ، يتلاءم مع الحدث الذي يسعى إلى تنميته ، إلا أن ذلك الملفوظ الشعبي الممثل في النص من تلك العبارة التي كررت في النص مرتين قبل إشرافه على النهاية  ( راعي الأكفان ..أهو ، خافي الأحزان .. أهو ) والذي يتقاطع مع ملفوظ السارد الذي يتكرر مرتين أيضاً ( لم يقو على بناء مفردة واحدة ) .

   ومن هنا نبدأ في التشكك في  التأسيس النصي على ثيمة الموت الحقيقي الاستهلالية ، وذلك انطلاقاً من ملفوظ يتكرر موحياً بالغياب لا بالموت ( .. فعندما ينهل كالسيل عابراً جبل الكعبة ماسحاً الحفائر طاوياً النقا وجبل الخندمة في نعليه تبش النساء في وجهه ، ويؤذن للأطفال بالانهمار خلفه .. عالية أصواتهم الطرية :

 ( راعي الأكفان … أهو … خافي الأحزان …أهو )

    هكذا تكتب العبارة السابقة معبرة بالفراغ عن ذلك الإيقاع التراتبي المنبثق من تلك العبارة في المستوى الصوتي الشفاهي المباشر الذي يحافظ على توازنه الصوتي بقدر كبير من الدقة ، ومن ثمّ الكتابي ـ كما يؤسس لذلك السرد ـ ، ليكون خطاباً تكرارياً جماعياً يتبنى العقلانية في مواجهة راعي الأكفان ) الاسم  الذي منح له عبر ذلك الخطاب الجماعي ، فهو ( راعي ) نكرة ، وهو فاقد للتعريف ما لم يضف إلى ( الأكفان ) ، حيث يتحول الكفن  المرتبط بالموت غالباً ، إلى سمة للشخص فهو مغيب نصياً كما غيب في ذلك الخطاب الجماعي .

    ومن سمات ذلك الخطاب الشفاهي أيضا اعتماده على التكرار في بناء العبارة ، فضمير الغائب ( أهو … أهو ) الذي يكرر لا لإثبات وتجسيد تلك الذات المقهورة ولكن لتغييبها مرة أخرى عبر التأكيد على الحضور المزيف أو لنقل الحضور المغيب .

والكفن في اللغة يعني التغطية والستر ، ومنه سمي كفن الميت ، يقول الشاعر امرؤ القيس :

                    على حرج كالقر يحمل أكفاني

أراد بأكفانه ثيابه التي تواريه ، من هنا كان ذلك الخطاب الشعبي محتفياُ بالأكفان أكثر من صاحبها ليس لقيمتها المادية أو المعنوية ولكن لبلوغها الحظ الأكبر في تغييب صاحبها .

وهو أيضاً خافي الأحزان تركيب إضافي آخر  يتعالق فيه المضاف إليه ( الأكفان ) مع المضاف في التركيب الإضافي التالي ( خافي ) حيث تستمر لعبة التغييب لتلك الذات ، حتى في أدق ما يملك وهي أحزانه ، من هنا قد يتجلى دور ذلك الملفوظ الشعبي الذي أسس عليه النص بتفكيك وحدات خطاب السارد . فـ ( خافي الأحزان ) في الخطاب الجماعي المعقلن ، يكون فاعلاً في حوار صاخب مع أصدقائه ليفضي إليهم بموعد موته . بعد أن كان موضوعاً لخطاب صاخب أيضاً يلغي ذاته ويهمشها .

   ولنا أن نحاول إقامة تركيب آخر يعتمد على التقديم والتأخير ( خافي الأكفان .. أهو .. راعي الأحزان … أهو ) حيث يتعزز الإنتاج الدلالي في النص ، ولا سيما إن كانت الأكفان هنا هي ما يستر جسد الميت ويواريه ، وهي دلالات تستند إلى استهلال النص ، بإعلانه اقتراب الموت.

   ولنا أن نلمح هنا في تلك الشخصية المحورية ( راعي الأكفان ) مظهرين أساسيين أحدهما يشير إلى الموقف من الواقع المحيط به ، أما المظهر الآخر فيتصل بغياب الاسم ، وهو أمر يبدو بجلاء في شخصية ( أبو الحسن عليان بن بدر المحنون ) إحدى الشخصيات التي احتفى بها النيسابوري في كتابه ( عقلاء المجانين ) وهوشخصية طالما استنطقه العلماء ليسمعوا جوابه لخبره برواية الشعر . أما الموقف من الواقع فيتجلى في إعراضه عما يثيره الصبية من حوله من عبارات وما يفعلونه به من رمي حجارة إلى إسالة دماء ، وهو بذلك صامد أمام تلك الهجمات الصبيانية صمود ( راعي الأكفان ) مع أمثال تلك الهجمات بعدم تتبعه لها .

   إلا أن ما يشكل استطراداً لتثبيت صفة الجنون وعدم نفيها عنه هو غياب الاسم ، فعليان المجنون يمر اسمه ـ انطلاقاً من النيسابوري ـ بمرحلتين : أولاهما التصغير ، وثانيتهما التجاهل في عوالم العقلانية .

   أما التصغير فكما يروي النيسابوري عن عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر يحدث أبي وأنا جالس ، قال :

   لقيت عليان المعتوه ن وكان اسمه عندي عليان ، فقلت : ياعليان ، فقال : لا إله إلا الله ، قل خيراً ابن أبجر ، ولد لأبي مولود قبلي ، فسماه محمداً تبركاً برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ولدت فسماني علياً تبركاً بوصي رسول الله ، فم صغرني فإنما يصغر  وصي رسول الله ، ومن ظننت به التصغير بي ، فما ظننت بك يا ابن أبجر . قال فجعلت على ألا أسميه إلا علياً أو أكنيه) .( النيسابوري : عقلاء المجانين ، الطبعة الأولى ، دار الفكر اللبناني ، بيروت ، 1990 . ص 136)

  في حين كانت مرحلة التجاهل الاسمي التي مر بها عليان المجنون مستوحاة من  إجابته التي تؤسس لوجود فعلي ، وذلك على سؤال لرجل قال له ( كيف حالك مع المولى تعليان عليان : ما جفوته مذ عرفته . قال ومذ كم عرفته ؟ قال : مذ جعل اسمي في المجانين ) ( عقلاء المجانين : ص 137 ) . إن جعل الاسم في المجانين يعني نقله من عالم إلى عالم آخر وهو ما حرص النص الحديث هنا على أن يبنيه فـ ( راعي الأكفان ) لم يمر بمرحلتين من التجاهل فحسب ولكنه في النص مر بمراحل كثيرة وفي خطابات متعددة لم يكن غياب الاسم سوى مرحلة منها ( من عظم ما شهد من موت كثيف ، امحى اسمه وضاع ، وصار أكثر ما يعرف بالميت السائر حيناً ،  أو راعي الأكفان غالباً ) .( ريش الحمام ، ص 60) .

  كما أن غياب الاسم يتصل بحضور أصدقائه العقلاء وذلك مواز لحالة الغياب التي شهدها في طرقات الحي  ، وهو هنا يبدو مرحلة أخرى مختلفة يمكن عدها  نسيان مرحلي من المجتمع ، إذ كثيراً ما ينسى اسمه لدى أصدقائه ( راحوا جميعاً يحاولون معرفة اسمه ، بيد أنهم حاروا ) . 

  وما لجوء راعي الأكفان إلى النيم أكثر من مرة في النص إلا رغبة متأخرة ومحاولة يائسة للتعريف والتذكير باسمه ، فالنيم كشجرة يتكرر ورودها في السرد كملجأ لراعي الأكفان ، توظف في النص كعلامة للتعرف وإيقاد الذاكرة ، ولاسيما حين ترد بين سياقين مهمين : ضياع الاسم ، و نار المزمار . لتبدو محفزاً لتذكير هؤلاء الأصدقاء باسمه لا برميهم بحبات النيم كشجرة في حد ذاتها ، ولكن انطلاقاً من الدلالة  التي تتصل بها ( النيم ) كما يراها الزبيدي في تاج العروس :( النيم من يستنام إليه أي يوثق به  ) وأي شخص يمكن أن يستنام به غير الصديق

ليتماهى  انفصال حبات النيم عن شجرتها كانفصال الأصدقاء عن صديقهم الميت الحي إذا لمحنا ذلك بطريقة رمزية  ، وذلك بناء على حدث السرد الذي يرد كالتالي ( أخذ الأصدقاء يتسربون واحداً واحداً .. مثل قطط أخافها شرطي شرس ، تابع انسرابهم بحنجرة لا تقوى على النداء ، شارفوا على الانعطاف بتراب حان للحارة .. استجمع حبات تتساقط من شجرة نيم عريقة رفع ساعده …كاد أن يلامس السماء ، وعجز عن قذفهم بحبات النيم ليحثهم على العودة ) ص 60 .

  وغياب الرفاق و ذهابهم الواحد تلو الآخر سبقه غياب للحبيبة ، فهي غائبة لدية لكن  رفاقه يعلنون عنها بقولهم ( هذه حرائق العشق التي اندلعت في روحه ، وذكره أن دمه اختلط بعشق بدوية فارقت البادية .. وأدمنت تعذيبه وزينت الموت له …) .

 إذاً تشكل الحبيبة مع الرفاق والصبية الصغار سياقاً واحداً ، وهو سياق يمكن وصفه بأنه معارض لقصد الفاعل ومراده ، بينما يكون راعي الأكفان وحمام الحرم سياقاً منفصلاً تزيد حدة لقائه بعد غياب الاسم وغياب الحمام ، في خطابه الفردي كان كثيراً ما يردد ( ـ اسمي لا يهم ما غاب الحمام ) ، ( ـ أصدقائي الأوغاد … إن لم تجدوا ثيابي البيضاء … اسجوا لي كفناً من ريش الحمام ) وتتلاقى تلك الخطابات حين تضم جميعها في خطاب السارد ( ـ لم يقو على بناء مفردة واحدة  تحت سماء مفقرة من الحمام )

هنا تغيب اللغة عن تلك الذات المنكسرة ، وغيابها وعدم القدرة على بنائها يعني غياباً مباشراً للذات إذا انطلقنا في ذلك منطلقاً فلسفياً .

يتضافر هنا الموت مع الجنون ليس كمكمل له ، ولكن كبديل عنه ، فالموت الحقيقي المعلن عنه في مطلع النص يخفي داخله موتاً مجازياً حين تتحول تلك الدلالات المباشرة إلى موت في الحياة ، إنه ميت حي ، هو الميت السائر أو راعي الأكفان .

  ويتأكد الموت بلغة السارد عبر خطاب النفي المتصدر في النص وكأنه يؤسس لنفي الفعل اللغوي وتغييبه عبر تلك الأدوات المتتابعة التي تسهم في إقصاء الأفعال في النص ، ويستمر ذلك النفي حتى يتحول السرد إلى ضياع الاسم وهي حالة متحولة كما أشرنا من حالات الموت ( الجنون) .

راعي الأكفان نص حديث يحمل من ملامح التناقض وعدم الانسجام أكثر من ملامح التوحد والانسجام ، الأمر الذي يسهم في إثراء الدلالة وتكثيفها ، ولهذا كان إيثار تسميته نصاً لا قصة قصيرة .

madwani@hotmail.com

www.m-adwani.8m.com