توشك الصحراء أن تكون فضاء نصوص سردية محلية كثيرة صدرت حديثاً، إذ انبنت حول ذاك الفضاء كثير من البناءات الشكلية التي يعتمدها السرد، إلى جانب استتباع الثيمات الأخرى لذلك الفضاء الرئيس ، ولعل هاجس الهوية المنطلق من قاعدة الفضاء الأوحد والشاسع والمترامي ، كما تشي به طبيعة الصحراء، قد أورث المبدع العربي تلك القدرة على أن يدور بإبداعه في حلقة الصحراء محباً لها ولمن عاش فيها أو محارباً لمن أراد بها السوء. وربما كان هذا الهاجس قد منح الأديب المغربي " سعيد علوش" فرصة الاتكاء عليه عبر اعتماد الأديب السعودي سعد البازعي لمفهوم ثقافة الصحراء وترويحه له بعد انطلاقه من عبد الله نور ، وهي إحدى القضايا الإشكالية التي رسمها " سعيد علوش " للمثقف في الخليج العربي وعلاقته بـ ( العربي) الآخر في كتابه الذي صدر مؤخراً بعنوان ( أطروحة الثقافة الخليجية).
لقد جسد ذلك الهاجس إيقاع إبداع الحياة العربية،مع عدم الانسياق وراء تحديد السلب والإيجاب، وهو الهاجس الذي أسهم في إثراء جانب التجربة الإبداعية في أعمال عربية متعددة كأعمال إبراهيم الكوني التي ارتضت أن تحدد لها مسارا آخر يتبنى الاعتماد على ذلك الفضاء وما يتصل به من جوانب أسطورية غايتها النهوض بالعمل الأدبي إلى مستوى يبتعد عن المباشرة ويرتكن إلى عمق التجربة العربية في فضاءات الصحراء، والتحام الذات بموضوعها فلم تشغف اليار قلب شاعر قديم،ولكن الهوى هوى الذوات .
ومع ذلك فإن الصحراء تأخذ دلالاتها المختلفة نوعياً مع بداية القرن الحديث،إذ تبرز الصحراء بوصفها خطاً دفاعياً أولياً، أو باعتبارها مناصراً ضد الأعداء في شعر شعراء مصر، فهذا الشاعر المصري عبد اللطيف النشار (1392) يقول:
صحراء مصر سلمت يا صحراء فلحكمة لم يجر فيك الماء
تحمي الكنانة من أذى أعدائها وهي الخصيبة تربة وجزاء
ومن معاصريه أيضاً من يضع النصر علامة على الصحراء، لتكون الصحراء فضاء النصر الملائم فالشاعر علي الجارم يقول :
بذلت مصر فوق ما يبذل الطوق وقد يسعف النديد النديدا
في فيافي صحرائها لمع النصر وولى روميل يعدو طريدا
مثل هذه النصوص أسهمت في التأكيد لمهمة الصحراء ودورها في الاقتصاص من العدو وتدميره .. وكسر شوكته، ولعل مثل هذا التوالد الدلالي نلمحه بعناية في أحد النصوص القصصية المحلية الصادرة حديثاً هذا الــعام 1999م،فقد صدرت للقاص ( حسن النعمي) مجموعة قصصيـــة بعنـــوان ( حــــــدث كثــــيب قـــال) والعنوان كما يشير الفاعل فيه ارتهان وتسليم إلى فضاء الصحراء لتلقي بظلالها على كافة نصوص المجموعة القصصية، ولعل في توظيف فعـــــلين متتاليين ولو فصــــــل أحدهما عن الآخر ما يعطي الانطباع الأولي إلى سرعة الإيقاع الحركي المنبعث من تواجد هذين الفعلين أولاً ، ومن دعم النص بنص مواز آخر يؤكد على دور الأفعال في حركية السرد في هذه المجموعة القصصية ويسهم النص الموازي التالي أيضاً في لكشف عن دلالة توظيف الأفعال والأسماء :
" هاأنا أسم الأسماء وجهاً نابتاً كالصبح
هاأنا أنقش الأفعال سهماً صاهلاً كالضوء "
غير أن اختيار النص القصصي المعنون بالعنوان نفسه ربما وجه المقاربة أيضاً، ما كان له الدور الأكبر في الكشف عن البنى التي تعالقت بذلك العنوان والتي أسهم العنوان في إغراءات التتبع لها من خلال ما يطرحه.
الكثيب المتحدث والقائل أوشك ، وعبر استنطاقه النقدي ، أن يعلن باستتباع عدد من المفردات المنخرطة دلالياً في حقل الكثيب الذي وظف في النص السردي القصير بصورة تسمح بوجوه تأويلية تتعدد ، تتفق ، وتختلف: فكثيب سارد عبر العنوان، و هو فاعل عبر السرد ، وهو فضاء تدور معه آفاق السرد.
ويلاحظ أن تلك التحولات لهذا الكثيب الذي يتشح مرة بوشاح السارد المباشر فيحول السرد إلى صحراء قاحلة لا يرويها إلا دماء كثيب الفاعل الذي سقط في نهاية النص " سقط كثيب شامخاً كالمطر"وصورة ارتواء الصحراء بالدماء صورة مغرقة في العتاقة تستمد شرعيتها من جفاف الفضاء وقسوة الحياة وطول الصراع فالكثيب لا يرويه إلا دم كثيب . ليبقى كثيب واحد في السرد وهو الكثيب الصحراوي الذي يحدد طبيعة المكونات السردية.
و بقاء الكثيب يفترض، سقوطاً مختلفاً، إنه السقوط الذي يتجسد من نوع مختلف تحدده ملامح الحكي الأساسية.
أما سطوة كثيب ( الفضاء السردي هنا ) فقد تجاوزت حد استغلاله نصياً كفضاء سردي مباشر وتجاوزته إلى إسهام الفضاءات في تشكيل النص وتحويله إلى أوضاع تتلاءم مع طبيعة ذلك الفضاء، إذ يبدو التأثير السحري لمفردة ( كثيب) وتحويلها آلية السرد إلى آليتين تتلاءمان مع أطروحة مركزية يقترحها.
وأخيراً، ينجلي ذلك الفضاء وقد نسج في إطار التضاد الكامل لفضاء آخر ربما كان ناتجاً من تحويلات ذلك الفضاء الأولي الذي يرد في النص و يتفاعل مع سابقه بوصفه معارضاً مباشراً ذلك الفضاء هو ( المعسكر) بما احتوى عليه أيضاً من مفــردات تتعالق به.
يمكننا القول بأنه قد تجلت غلبة الكثيب الصحراوي كفضاء للنص عبر تكرار عدد من المفردات المتصلة به فالصحراء تكررت ما يزيد على اثنتين وعشرين مرة، في حين تكرر الجمل كفاعل مرادف للكثيب تسع عشرة مرة ، إلى جانب تكرار مفردة ( الليل ) ثلاث مرات ، و( الأفق ) ثلاث مرات.
أما الفضاء الآخر ( المعسكر ) فقد تكررت مفردة المعسكر نفسها أربع مرات، و انقسمت الرصاصة إلى اثنتين وكانت إحداهما رصاصة للجمل والأخرى رصاصة لكثيب، أما الجنود فقد تكررت ثماني مرات، في حين كررت مفردات المراقبة والاستطلاع والخنجر.
يوحي هذا التكرار للفظة ( الجنود) بنوع من التقابل ( الشطرنجي ) الذي لا يحتمل سوى النصر أو الهزيمة وهو ما رسمته ملامح السرد المشكلة لفضائين هما: الصحراء من جانب والمعسكر من جانب آخر.
تكرار لفظة الصحراء الذي زاد على اثنتين وعشرين مرة يعيد تشكيل اللعبة و طريقة اللعب، كما أنه يعيد صياغتها من جديد، التقابل الشطرنجي بين جمال وخيام من جانب وجنود وشاحنات من جانب آخر تبدو بوصفها صفوفاً أولى لتلك اللوحة الشطرنجية، وهي اللوحة التي يتوخى رسمها، بعناية حذرة،ذلك النص السردي القصير.
لقد رسم السارد صورة الصف الأمامي للمعسكر كما تمثله لوحة الشطرنج ، غير أن صورة الصحراء ترد فيها تكرارية متعددة للجمل الذي سقط ميتاً ولم تنفع معه وصفات المداوي.
استحضار تلك الصورة الشطرنجية يفترض فيها النص أن المشكل لا يتبلور في حوار ربما وقع بين جندي وبدوي،وبين شاحنة وجمل ولكنه يعني الصراع لا الحوار وهو الصراع الذي تصنعه الفقرة الأخيرة في النص ، إذ ترسم الدماء نهاية اللعبة ، ومع نهاية تلك اللعبة الشطرنجية يعلن النص نتيجته النهائية الدموية.
فالجندي يعتقل ولكنه لم يمت في انتظار حكاية أخرى تجسد موته أو انفلاته من الاعتقال.في حين يموت الجمل ويموت كثيب ولم يبق في الجانب الآخر سوى صحراء يرسمها السارد ممزوجة بحمرة الدم وسواد الليل وصمت الكثبان.
( يجب أن يرحل الآخرون لا هم ، رحيلهم من قبل كان من الصحراء إلى الصحراء ) حدث كثيب قال، ص44.
لقد حاول النص إحياء مفردات الصحراء التي ماتت حكائياً خارجها ، ولعل العناية المفرطة بتكرار لفظة الصحراء يشي بتلك الرغبة في تأكيد الذات وتأطير وجودها عبر التكرار أولاً كما أشرنا وعبر افتتاح النص بمفردة الصحراء الرئيس واختتامه بها، وكأن اللغة هنا تسعى إلى التأكيد والبحث عن موقع مفقود لا يتخللها عناية السارد.
لقد بدأ النص بمفردة الصحراء وهو ما يشير إلى توظيف مباشر لدلالات الشمول والاتساع التي تتميز بها الصحراء،وقد برع السرد في ذلك التوظيف ، أضاف إليه دلالة أخرى أكثر عمقاً هي دلالة الطهر والنقاء التي تجسد عبر أول فقرة نصية " للصحراء وجه أبيض " لتتأكد آنذاك دلالتان مباشرتان هما الاتساع والنقاء ، وهما دلالتان لا يشوبهما سوى أمرين مهمين هما:
· ازدحام الأفق بالرجال والآلات " حدق الجمل في المداوي ، في كثيب ، في الأفق الذي بدأ يضيق بالناس والآلات" حدث كثيب قال ص 39.
· لون أحمر يتمثل في لون دم الجمل و دم كثيب الذي سقط وكانت دماؤه توقع ميثاق العهد والديمومة يكدر النقاء ويكسر زهو اللون الأبيض الذي أشرنا إليه.
وينتهي النص بالمفردة نفسها( الصحراء) مؤكداً على تلك الدلالات السابقة.
الصحراء الفضاء الذي يثير الأسئلة الوجودية المتواترة، وصيغ الاستفهام تبدو خير دلالة عل تلك التكرارية المتصلة بذلك الفضاء :
· سأل أشياءه عما تبقى له من الصحراء…
· لماذا أنا ؟ لماذا جملي؟ لماذا الصحراء ؟
· ود لو يعرف لماذا ؟
· ترى ماذا يحدث؟
· تساءل كيف يغير الأحوال بذاته؟
· لماذا نحن؟
· لماذا قتلوا الصحراء فينا؟
· لمن؟
إنها الأسئلة التي راوحت بين الذات وموقعها فيما حولها من الموضوعات، واقتصرت هذه الموضوعات على جمل وصحراء فحسب، و ربما أشار هذا الاقتصار إلى الوضع الأساس هنا إذ تبدو الصحراء فضاءه، ويبدو الجمل وسيلته للانطلاق في تلك العوالم واختراقه، ثم يتحول بعد ذلك الفقد إلى الوسيلة ، إلى فقد للفضاء نفسه فقد للكثيب أو لنقل: إنه فقد لكثيب الفاعل المتعدد الوجوه والمختلف الملامح.